~ بسـم الله الرحمـن الرحيم ~
قبـل فتره وأنا أتصفح المواقع بحثاً عن روايات لفـت إنتباهي آراء بعض الأصدقاء والقـراء عن عده روايـات أخترت منها ما يعجبني في قائمتي الخاصه .. حتى مرت الآيام وأنهيت دفعه كامله من بعض رواياتي ثم زرت في شـهر مارس ذات ليلة مكتبة جـرير وأنتقلت بين الرفوف والكتب حتى وقعت عيناي عـلى هذه الرواية ’’ موظف عادي جداً ’’ كنت مخططاً على إنفاق كل ما عندي ووجدتها مناسبة وقبل ذلكـ وقعت مسحوراً بها وبالتحديد على أن كاتبها إيطالي لتجربة أعتبرها هي الأولى من هذا النوع وكم كنت أهوى الكثير من الفنون الإيطالية الرائعه !!
::

~ تـعريــف :
فنتشنزو تشرامي وُلـد في روما ياليوم الثاني من شهر نوفمبر عام 1940 .. بدأ حياته الأدبية في مجال الكتابة السينمائية التي برع فيها منذ أن كتب أول سيناريو للمخرج فرانكو روستي عام 1967 ، وقد تعلم صنعه الكتابة السينمائية على يد الكاتب الكبير بيير باولو بازوليني فقد عمل مساعداً له في إخراج أحد أفلامه ” مهرجانات الخطابة الغرامية ” عام 1965 وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره ، كما عاونه على إخراج فيلم ’’ طيور وعصافير ’’ عام 1966 وفيلم ’’ الأرض كما يراها القمر ’’ عام 1967 ..
لم يتوقف فنتشنزو تشرامي عن الكتابة للسينما ابداً فقد كتب السيناريو لإثنين وأربعين فيلماً حتى اليوم ، براعته في الكتابة السينمائية تحاكي قدرته على إستعمال أدوات تعبيرية أخرى فهو ما يزال يُزاول الكـتابة الصحفية والمسرحية بالإضافة إلى ما يصدره من روايات ومجموعات قصصية تتمتع جميعها بحسن الصياغه ومتانة الحبكة وسهولة الألفاظ وسلامة السرد ..
وقد يعود مرد جزء من النجاح المنقطع النظير الذي لاقته روايته الأولى إلى الفيلم الذي أخرجه في العام التالي لصدورها ماريو مونتيشيلي وهو المخرج الذي يتمتع بإحترام كبير في الأوساط الثقافية الأوروبية ، وقد كتب فنتشنزو تشرامي الفيلم كذلكـ ، ويختلف السيناريو عن الرواية في بعض التفاصيل ، فقد كان دائم الإنتباه إلى ضرورة إختلاف الأدوات السرديّة بإختلاف الأشكال التعبيرية وتجربته في هذا المجال واسعه للغاية .. فهو يرى بحق أن لكل فن لغته الخاصة وعلى الكاتب أن يتقيّد بلغه الفن الذي اختاره ، فالكتابة السردية روائية كانت أم قصصية كتابية أدبيه خالصه ..
وهو تلميذ Pier Paolo Pasolini ومن ناحيه الكتابة المسرحية فيرى فيها كتابة ثلاثية الأبعاد ترمي إلى تكوين المشهد المسرحي الذي يحاكي الواقع ويتفاعل فيه المشاهد والممثّل بخلاف الكتابة السينمائية التي يعتبرها ثنائية الأبعاد حيث تخلق مشهداً مستوياً استواء عدسه الكاميرا والشاشه التي يعرض عليها الفيلم وتستدعي إنتباه حاستي النظر والسمع وكلها تختلف عن الكتابة الإذاعية التي لا تستدعي إلا السمع ..
وفي هذا المجال يقول : ’’ يجب على الكاتب أن يتملّكـ معرفه عميقه بلغات الكتابة المتنوعه ووعياً بإختلافها كما يجب عليه في الوقت نفسه ألا ينسى الأبعاد التي يستثنيها الفن كما هو متعارف عليه ’’
فهو يستثني تلكـ الأبعاد عرفاً واعياً بما يفعله ، فالكتابة إذن كباقي الصنائع ، وقد اوضح أفكاره هذه في كتاب يحكي بعضاً من تجربته الأدبيّة ’’ نصائح للكاتب الشاب ’’ وفيه يؤكد على نظرته التي تنظر إلى الأدب ليس كوحي منزّل على الأديب بل كصنعه يجب دراستها وتعلمها وإتقانها وموهبة ..
فهو يقول : ’’ لو أمكن جمع كل اللحظات الخلاقه التي تمر على الكاتب خلال كل حياته الأدبية لما تجاوزت خمس دقائق أما الباقي فهو عمل ودأب يومي كعمل النجار وقد يكون مملاً أحياناً ’’
::
~ الروايــة :

عنوان الرواية الأصلي : Un borghese piccolo piccolo
عنوان الرواية المترجمة : موظف عادي جداً
المؤلف : Vincezo Cerami
عام : 1976
الناشر : Garzanti libri
دار الترجمة : الدار العربية للعلوم ناشرون
الطبعة الأولى : 2009
عدد الصفحات : 141
كانت الفيات العتيقة مركونة موارية على الرصيف أمام محلات ’’ أوبيـم ’’
جوفاني يجب أن يكون في مكتبه الـساعه ثمانية ونصف ، الوزارة ليست بعيدة عن المحـطة المركزية ، جوفاني ساكن في آخر حيّ ’’ توسكلانو ’’ ، لذلكـ عليه أن يصل أولاً إلى ساحه ’’ سان جوفاني ’’ ومن هناكـ إلى ساحه ’’ فيتوريو ’’ ثم يحازي محطة سككـ ’’ اللاتيوم ’’ ثم المحطة المركزية وساحة ’’ أسيدرا ’’ ليجد نفسه أمام الوزارة ..
ذلكـ الصباح لم يكن مثل أي صباح آخر ، عادةً فور ما يركب سيارته يبدأ بالشتائم ولا ينتهي إلا بعد أن يدخل بوابة الوزارة ، جوفاني يصرخ في وجه السائقين وفي وجه المشاة ، يضغط على الزمّور بغضب ويوزع الشتائم القذرة على كل من يظن أنه سيقطع عليه الطريق أو يعرقل سيره ويلعن البلدية وهيئة الشوارع والحكومة وإيطاليا وكل البشرية ..
أمـا في ذلكـ الصـباح فقد كان صامتاً هادئـاً وسار فـي طريـقه بإنـتظام دون أن يزمّـر يـميناً وشمالاً ودون أن يـصرخ بل كان يحترم كل إشارات المـرور ، بالطبع كـان السـائقون الآخرون يشتمونه وقد مُسـخت وجوههم غضباً فأصبحوا كالقـرود يصرخون في وجهه بكل الـصفات المهينة التي يحتوي عليها قاموس الساعة ثمانية ونصف ، وهو قاموس صغير لكنه كامل حـقاً .. أما جوفاني فقد كان قابعاً في كوخه المعدني المتحركـ الصغير لا ينتبه لشيء ولا يلوي على شيء ، بل لم يكون موجوداً
~ القصـــه :
بعـد نزهة قصيرة لصيد السمكـ في الريف إنطلقت سيارة الفيتا القديمة بسرعه نحو حيّ توسكلانو في إحدى مدن إيطاليا حيث تعيش هناكـ عائلة فيفالدي بين المدن والمكوّنه من الأب جوفاني والأم آماليا وولدهم الوحيد ماريو .. آثناء ذلكـ كانت آماليا تتابع فيلماً على شاشه التلفاز وهي ترتشف كوباً من القهوة وبعد مرور المشـاهد وصل جوفاني وماريو إلى منزلهما وهما يقاطعان آماليا لمتابعه المباراة .. في صباح اليوم التالي كانت آماليا منشغله في المطبخ فيد كانت تعدّ الفطور والأخرى تتصفح أخبار إحدى المجلات ، وكان ماريو نائماً في غرفته منتظراً مستقبله الذي سيحدوا إليه ، وكان جوفاني في سريره مستغرقاً في حلمه حتى رن جرس منبّه ساعته ليعلن يوماً جديداً حتى خرج متوجهاً إلى عمله .. فهـل يا تُـرى ستتحقق أحلام عائلة فيفالدي أم سيتحول الحلم إلى كابوس ؟
~ الشخصيــات :
جوفاني : رجل ريفي شائخ العمر يعمل موظفاً صغيراً شارف على التقاعد في غرفه من أربع طاولات عند الزوايا والخامسة بجانب النافذة حتى جلس في مكانه في الوزارة ، محدود الثقافه ومخلص في عمله وعنيف في ملازمته لتصرفاته ويهوى الصيد ومشاهدة التلفاز ويمتلك سيارة الفيات العتيقه ، حياته تسير بوتيره نظامية وعادية جداً مع عائلته في حيّ توسكلانو بشوارعه الباردة وهو فخور بما قدمه من نجاح ، ويرغب في توظيف إبنه في الوزارة نفسها التي يعمل فيها وهو على إستعداد لفعل أي شيء من أجل ذلكـ .. فهـل يا تـُرى كيف سيحقق رغبته في توظيف إبنه وكيف سيواجه مصدر فخره بما حققه من إنجاز في مشوار حياته ؟
ماريو : شاب في العشرين من العمر يعيش مع والديه في حيّ توسكلانو حيث وُلد في المدينة بعكس والده الـذي كان فلاحاً فقيراً ، تخصصه في المحاسبة وسيتعيّن عليه إجتياز الإختبار التحريري في المسابقة والتي تركت ألفا وظيفة متاحة في ظل تقدم إثنا عشر ألف طلب للنجاح في المسابقة والجلوس في المقعد الوظيفي بالوزارة حتى وصلته الرسالة التي طال إنتظارها والتي حددت بمبنى الإمتحانات تجاه وزاره المعارف في حيّ تراستيفيره ، كان يعلم أن دوره قد يكون أول الأدوار القادمه في تاريخ حياة العائلة .. فهـل يا تـُرى سينجح في إختبار المسابقة وسيغيّر مجرى حياة العائلة كلها ؟
آماليا : إمرأة مربية في منـزل العائلة في حي توسكلانو مع زوجها جـوفاني وإبنها الوحيد ماريو ، مـن أول ظهور لها حيث دخلت إلى منزلها متجهه نحو المطبخ لتعدّ لها كوباً من القهوة حتى شرع زوجها حاكياً لهـا عن حلمه وهي مشككه في قدراته لإدخال إبنه وتوظيفه في نفس الوزارة التي يعمل بها ، كانت تشعر بآلام شديدة في قدميها إستجابة لطلبات زوجها وولدها ووقت الراحه كانت تقرأ مجلة ’’ كرونكا فيرا ’’ الأخبار الحقيقية فكانت تهتم بالأحداث السيئة وتتمتع بنكران الذات التي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب .. فهـل يا تـُرى سيكتب مقال خاص على المجلة لأحداث هذه العائلة يوماً ما ؟
د. سباتسياني : رئيس مكتب في الـوزارة ، هو رئيس عمل جوفاني منذ أن عرفه منذ اثنتين وعشرون سنة وأربعه أشهر وثمانية عشـر يوماً كما أحصاها جوفاني عندما دخل مكتب رئيسه فـي أول مشهد يجـمعهما طالباً المساعده في توظيف إبنه والفوز بالمسابقه ، كان الإمتحان عبارة عن فحصين شفـوي وتحريري وأصدر حكمه بوجوب نجاح ولده في التحريري ، وخلف قناع وجه رئيسه العابس كان سباتسياني عضواً في الماسونية بيده سيف وعصابه سوداء في يده الأخرى وكان على موعد في محفل للماسونيين .. فهـل يا تـُرى سيكون هو بوابة العبور لعائلة فيفالدي وما سر الماسونية ؟
~ قـالــوا :
إيتـالو كالفينو » منذ الصفحة الأولى تأخذكـ رواية فنتشنزو تشرامي وتجبركـ على إلقاء نظرة نقديّة متفحّصة على عيّنه نموذجية تمثّل جزءاً من المجتمع الإيطالي ، ألا وهو عالم موظفي الدولة ، عالم موظف في وزارة يقضي معظم حياته بتصريف معاملات الإحاله على التقاعد بإنتظار أن يجيء دوره كي يتقاعد هو ايضاً .. وفي أثناء ذلكـ يحاول توظيف إبنه في الوزارة نفسها وبمرتبة أعلى من مرتبته ، يتوّقع القارئ من قراءة رواية تروي قصة موظفين لا غير أن تكون باهتة مملّه قليلة الأحداث وقد يتوقعها هازئه ساخرة من شخوصها ..
لكن الرواية جاءت على غير ما نتوقعه فالأحداث فيها متتالية متسارعه مطبوعه بطابع قصصي شيّق ، كما في وصف مشهد طقوس الإنتظام في محفل ماسوني أو في المشاهد العنيفة التي جعلت من بطل القصة لبضعه أيام نجماً من نجوم الصحافة التي تنقل اخبار الجريمة أو كما في تسلسل الأحداث التي تؤدي بالبطل إلى أن ينتقم لنفسه إنتقاماً شنيعاً
::
~ الفيلــم :

إسم الفيلم : Un borghese piccolo piccolo
النوع : دراما
عام : 1977
سيناريو : Sergio Amidei & Mario Monicelli
مدة العرض : 128 دقيقة
توزيع : Cineriz
إخراج : Mario Monicelli
بطولة الشخصيات :
Giovanni Vivaldi » Alberto Sordi
Amalia Vivaldi » Shelley Winters
Dottor Spaziani » Romolo Valli
Mario Vivaldi » Vincenzo Crocitti
الفيلم المقتبس من الرواية الأصلية لفنتشنزو تشرامي والذي وقع على أعين هيئة المحلفين برئاسة روبرتو روسيليني في مهرجان كان السينمائي في شهر مايو عام 1977 والذي كان مرشحاً من أحد الأفلام المميزة خلال ذلكـ العام في الفوز بالمسابقه .. وهذا مقطع للفيلم :
’’ مقطع لفيـلم Un borghese piccolo piccolo ’’
::
~ الرأي الشخصي :
من أكثر الأشياء التي جذبتني للرواية هو عنوانها وملخصها وتخيّل قصص الموظفين وشؤونهم وبالتحديد أن لي كثير من الميول للفنون الإيطالية الجميله حتى لم أتردد في شراءها بعد ما سمعت عنها وخصوصاً أنها تجربتي الجديدة في هذا النوع الفريد .. لـم تعجبني مقدمه الـمترجم بسـبب حرقه للأحـداث فـي بعـض التحليلات الخاصه وسببت لي صدمه لم تكن في الحسبان وعموماً الرواية جاءت ساخرة بصور كريكاتيرية سريعه في تصوير فئة من الأحوال الإيطالية وبعد تصفحي تحولت بشكل غير متوقع خفيفه وسريعه ، ناقده في نفس الوقت إلا أنها تستحق القراءة لتلقي نظرة على شرفه النافذة مع طلوع شمس الغد حول هذا العالم .. ولمن أحب زيارة موقع الكاتب الرسمي يتفضل هنا :
www.vincenzocerami.it
ســلام ،،