مع الأسرار.. قبل الأنوار!

عودة الفرسان.. وفتح الله كولن

كنت قابع بزاوية من زوايا سور القسطنطينية القديم، قريبًا من باب المدرسة، أنتظر قدوم المعلم، حتى إذا بلغ العصف مداه انتفض بديع الزمان سعيد النورسى، وأطل من فوق قباب المدينة، ثم مد جناحيه العظيمين حول أسوارها حتى أحاط بجميع الأبواب! فظل كذلك زمنًا يكابد وحده، ويجاهد قصف الريح وحده! وكلما أطل من تحت جناحيه وراى سكون البلابل خلف القباب، دمعت عيناه فى قرّ الريح! وصاح فى تيارها الشدشد: “ياسعيد..! كن صعيدًا حتى لا تعكر صفو رسائل النور..!”
حتى إذا هدات العاصفة، قرأ سورة الفتح، ثم فتح الأبواب وانصرف..!
ناديته بأعلى صوتى:
- ياسيدى المعلم! أما لأخر الفرسان من عودة.
التفت إلى بعبسة ترسم ملامح الإنكار على صفحة وجهه المهيب! ورمانى بنور لاهب من وجع عينيه! ثم قال:
- ويحك أيها الفتى المغرور! أما علمت أن لكل زمان صاحبه؟
- قلت: ومن يغلق أبواب الريح إذا هاج العصف من جديد؟
- قال لى: هذا مقام الفتح ياولدى فليس لزمانه من إغلاق!
- قلت: عجبًا ياسيدى! وما فتحٌ فى زمن ليس تطيق عواصفه الأبواب، ولا أسوار مدينتنا!؟
- قال: ما أجهلك يا ولدى بزمانك! ارفع رأسك قليلا نحو الأفق الأعلى؛ تَرَ شمس البشرى ترتفع الهوينى من خلف الأحزان، وتَرَ كلمات النور الأولى ترسم بين يديها قوس قزح، وتطرز على موج البحر نبؤتها.. فإذا كنتَ ممن يحسن لغة الماء فاقرأ: “تُفْتَحُ القسطنطينيةُ أوَّلاً ثم تفتح روميةُ”!؟

بديع الزمان النورسى
بديع الزمان النورسى

- قلت: بأبى وأمى أنت يا سيدى! وما روميةُ؟

- قال: رومية يا ولدى امرأة ساحرة تسكن بين جوانحنا! هى عاصفة الشيطان الكبرى.. تنغرز قوائمها الأربع فى بحر الظلمات! ولها فى كل العالم أدخنة وحرائق! فى كل يوم تُحَرِّقُ ألف عصفور وحمامة! جيش النور الآن تجرد لها بأسلحة من وهج الشمسن وأميره يرتل من خلف الغيب سورة النصر، خاتمةً لمحن المستضعفين!.. وقريبا جدا ستر عجبا! جيش النور اليوم فى كل العالم يقتبس من مشكاة الليل الأخضر زادًا للسير! فانظر ما حظك من مواجيده يا ولدى!

- قلت: وما سيماء أميره يا سيدى؟
_ قال: لا تتعب نفسك يا ولدى فى طلب الألقاب! فإنما هو طيفٌ، أو معنى، أو روح! بل هو قلبٌ من نور وهاج! هو جيش من ذَوْبِ الشمس، هو أشجان

قلبٍ وترانيم روح، هو مكابدة حُبٍّ لم يزل جرحه ينزف من خابية مشقوقة! هو آهاتُ أشواقٍ ارتقت ما بين سجود وركوع، فتشكلت فى الفضاء غيمةً ربيعيةَ اللون، مكتنزةً بالخير وبالبركات! لم تزل تهطل بالغيث فى كل قارات الأرض! فَارْقُبْ إن شئت حدائقها أنَّى رحلت؛ تجد وردتها متفتحة الأجفان ندية!
- قلت: فما نَسَبُهُ ومكانه؟ ما مولده وزمانُه؟
- قال: ويحك يا صاح! أما صاحب هذا الزمان فله مولدان اثنان! أولهما هو فى المكان، وقد كان الذى كان. وأما الثانى فإنما هو فى الزمان! فَارْتَقِبْ إبَّانَ هيجان الروح، يوم تأتى الرياح بحدأ الأنين! فإنه لا ميلاد إلا بألم! واظفر بثانى المولدين تَرِبَتْ يداك! إنك يا ولدى إن تدرك إشراقته تكن من الفاتحين!
- قلت: فهل لى أن أكون من طلائعهم؟
- قال: بل دون إدراك منازلهم كلمةً سِرِّ مخفية فى حويصلة الطير!
- قلت بلهق: أى طير يا سيدى؟
وانقطعت التجليات!
…..
هذه اسطنبول مرة أخرى..! نادانى خاطرٌ حزين! قال لى: مقامك حيث أقامك! لا مكان لك اليوم يا صاح إلا بمنزلة الاستغفار! فصرت أسمع صوتًا من أعماق فؤادى، يتكسر موجُه هونًا على شط لسانى: رب اغفر لى..! رب اغفر لى..!

فتح الله كولن

……
حدثنى راوى الشجان قال:
محاضن الطفولة هى مزارع الأسرار.

. فى تربتها تُدفن بذور النور، وخريطة الفتح الآتى، ومواعيد الزمان الجديد! ومكن يدرى؟ فلعلك هناك تتعلم من “فتح الله” كيف تكون رجلا! ولعله يضرب لك موعدًا من لثغ طفولته لزحف الخيل الصافنة خلف غيوم اسطنبول، ومواعيد أخرى لدخول عواصم دول العالم، وعبور البوغاز إلى أندلس الأحزان.. وخوضِ بحار أخرى فى وجع فى وجع الليل؛ فرومية ما زالت جثتها تجثم فوق فراخ فلسطين! وليس بين دخول المارد قمقمه وبين شروق الشمس، إلا كلمة سر!.. ولعلك يا صاح تكون هناك!
قال لى: هى مَحَاضِنُ لا تتاح لكل الناس.. إنما من تهيئ القَدَرِ الإلهى، لمن شاء الله أن يجعل لهم من أمره قَدْرًا! فما جاء وَلِىٌّ أو مجددٌ إلا على قَدَرٍ، وما فاض نهر إلا بعد هُطُولِ مَطَر! فاحمل عصا سياحتك يا ولدى وارحل! فما كان للسائح فى فلك النفوس الكبار إلا أن يعود كبيرًا!

وقبل أن ينهى راوى الأشجان حديثه، همس لى وقال:
فتح الله لديه سر ليس يبوح به!..
فتح الله لديه سرّ تنتظره الدنيا، لكن لا يخبر أحدًا!..
فتح الله يحمل فى قلبه ما لاطاقة له به، ولذلك لم يزل يبكى حتى احتار الدمع لمأته!
فتح الله وارث سر، لو ورثه الجبل العالى، لانهد الصخر من أعلى قمته، ولخرت أركان قواعده رهبا!
فتح الله فارس ليس تلين عريكته، ولا تضعف شكيمته! ولصوته فى الكرِّ أشدُّ من فرقعة الرعد! يقاتل فى النهار حتى تذوب الشمس فى دماء البحر، فإذا خلا لأشجان الليل بكى..!

8ربيع الأخر1431

دعاء فضيلة الشيخ فتح الله كولن

عَـابِـرٌ غَـريـبٌ

ابن اليوم

الطوطم والحرام لـ ( سيغموند فرويد )

الطوطم والحرام ..

لا يخفي أن سيغموند فرويد عالم النفس الشهير ومن أبرز مؤسسيها  , من اولائك الأفذاذ الذين وضعوا بصماتهم  على العالم .. ومن ضمن الذين غيروا مفاهيم كثيرة في  الحياة البشرية , ويدين العالم أجمع بمساهماته العلمية القيمة ..

لست ملماً بعلم النفس  .. وهذا ما  جعل قراءتي لفرويد فيها شيء من الصعوبة .. إلا انها في نفس الوقت أثارت فضولي  أمور كثيرة في كتابه القيم ( الطوطم والحرام ) .. ما جعلني أقرأها مرة أخرى . ( لمن يرغب قراءة سيرة فرويد الذاتية , لأحمد عكاشة كتيب صغير ورائع يتكلم عن حياة فرويد )  ..

—-

في كتابه الطوطم والحرام .. وهي من الكتب التي إعتقد فرويد نفسه بأنها ستكون من أفضل أعماله  ,  يحاول ان يدرس بعض العوامل النفسية عند القبائل البدائية .. فيلاحظ فرويد بأن الأطفال و المرضى العصابيين والبدائيين متشابهين كثيراً !!

والطوطم من جهة .. فهي تعني  الحيوان الذي كان يعبده ويقدسه الإنسان البدائي  ,  ولكل عشيرة لها طوطمها الخاص ( كان نوع من الحيوانات او بعض النباتات او غيره ) !!  ومع الملاحظة بأن هذه الظاهرة ( الطوطمية )  كانت تُمارس لدى القبائل البدائية المتفرقة في الكرة الأرضية ما يعطي إحتمالاً كبيراً بأن الشعوب عامة مرت بهذه المرحلة من عبادة الحيوان الطوطم  .. وهذا ما يثير الدهشة حقاً  وما يبعد فرضية عشوائية بناء الأمم والحضارات !!

فالنظام الطوطمي يعتبر الطوطم ينتمي الى العشيرة التي تجله وتقدسه .. فهو القوة الروحية التي يستمدها أفراد العشيرة فلا يجوز قتله ولا أكله .. بل يعتقدون بأنه يحميهم ولا يؤذيهم ( حتى لو كان من الكواسر ) !!

والظاهرة الأخرى عند البدائيين او عند نظامهم الطوطمي , الزواج الخارجي .. إذ لا يجوز لافراد الطوطم الواحد بأن يتزوجوا من بينهم .. ويحاول فرويد أن يضع بعض التفسيرات لهذه العادات  بعضها مثيرة للدهشة حقاً .. !! ويحاول أن ينبش عن جذور هذه الظاهرة عند البدائيين .. إذ إستند الى بحوثات داروين في ما يخض الإنسان البدائي !! وشبهها بعقدة أوديب عند قتله لأبيه وزواجه من أمه !!  وهذه الجريمة إرتكبها البدائي و أصبحت من أولى المحرمات التي عرفها التاريخ البشري  , أي نكاح المحارم والقتل !!

- الباب الذي فتح الإنتقادات  على فرويد , بأنه أعطى للجنس الكثير في تفسيراته وتحليلاته النفسية !! إذ أنه يرى بأن نكاح المحارم  والميول الجنسية إتجاه المحارم ( عند البدائيين ) كانت غريزة طبيعية  في بادئ الأمر حالها عند الطفل في عصرنا الحاضر حسب تصوره !!  فعلى حسب تصورنا جميعاً بأن الفطرة الإنسانية وضعت نفوراً الى هذا النوع من الرغبة الجنسية .. إلا أن فرويد قال العكس واعطى مثالاً وقال .. فلو لم تكن نزعة في نفس الإنسان لما وضعنا حداً لها  من الأساس , أي بأنه ما الداعي الى تحريم شيء لا وجود له  !!

- ويقول فرويد .. بأن الجن والأرواح والعفاريت ليست إلا من بقايا الطقوس الطوطمية .. فالإنسان البدائي لا يستطيع أن يتصور بأن الإنسان يموت !! ولهذا إعتقد بالروح  التي تخرج من جسد الميت وتعيش بين الناس .. فالقبيلة التي تقتل عدواً لها .. تجدها تأخذ راسه وتكرمه و تضع الزينة على رأسه , حتى أنها تضع الطعام في فمه , وهذا لأن إذ يمر روح العدو الميت على القبيلة .. شاهد هذا الإعتناء برأسه , فتجنب إيذاءهم !!  (  عند الطائفة اليزيدية  التي تعبد الشيطان في العراق  , تعبدها  إتقاء من شره  ) !!

حقاً .. كتابه هذا شدني كثيراً لقراءة المزيد من كتبه .. ومهما تطور علم النفس ونقض الكثير من تصورات فرويد , إلا أننا نجد اسمه يسطر في كثير من الكتب .. وهو على كل حال غني عن التعريف ..

الكتاب نشر من دار الطليعة – بيروت .. ترجمة جورج طرابلسي

نسخه الإلكترونية متوفرة  لمن أحب

اجمل التحية

الهجـرة من الريف إلى المدن .. موظف عادي جداً !

~ بسـم الله الرحمـن الرحيم ~

قبـل فتره وأنا أتصفح المواقع بحثاً عن روايات لفـت إنتباهي آراء بعض الأصدقاء والقـراء عن عده روايـات أخترت منها ما يعجبني في قائمتي الخاصه .. حتى مرت الآيام وأنهيت دفعه كامله من بعض رواياتي ثم  زرت في شـهر مارس ذات ليلة مكتبة جـرير وأنتقلت بين الرفوف والكتب حتى وقعت عيناي عـلى هذه الرواية ’’ موظف عادي جداً ’’ كنت مخططاً على إنفاق كل ما عندي ووجدتها مناسبة وقبل ذلكـ وقعت مسحوراً بها وبالتحديد على أن كاتبها إيطالي لتجربة أعتبرها هي الأولى من هذا النوع وكم كنت أهوى الكثير من الفنون الإيطالية الرائعه !!

::

vincenzo cerami

~ تـعريــف :

فنتشنزو تشرامي وُلـد في روما ياليوم الثاني من شهر نوفمبر عام 1940 .. بدأ حياته الأدبية في مجال الكتابة السينمائية التي برع فيها منذ أن كتب أول سيناريو للمخرج فرانكو روستي عام 1967 ، وقد تعلم صنعه الكتابة السينمائية على يد الكاتب الكبير بيير باولو بازوليني فقد عمل مساعداً له في إخراج أحد أفلامه ” مهرجانات الخطابة الغرامية ” عام 1965 وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره ، كما عاونه على إخراج فيلم ’’ طيور وعصافير ’’ عام 1966 وفيلم ’’ الأرض كما يراها القمر ’’ عام 1967 ..

لم يتوقف فنتشنزو تشرامي عن الكتابة للسينما ابداً فقد كتب السيناريو لإثنين وأربعين فيلماً حتى اليوم ، براعته في الكتابة السينمائية تحاكي قدرته على إستعمال أدوات تعبيرية أخرى فهو ما يزال يُزاول الكـتابة الصحفية والمسرحية بالإضافة إلى ما يصدره من روايات ومجموعات قصصية تتمتع جميعها بحسن الصياغه ومتانة الحبكة وسهولة الألفاظ وسلامة السرد ..

وقد يعود مرد جزء من النجاح المنقطع النظير الذي لاقته روايته الأولى إلى الفيلم الذي أخرجه في العام التالي لصدورها ماريو مونتيشيلي وهو المخرج الذي يتمتع بإحترام كبير في الأوساط الثقافية الأوروبية ، وقد كتب فنتشنزو تشرامي الفيلم كذلكـ ، ويختلف السيناريو عن الرواية في بعض التفاصيل ، فقد كان دائم الإنتباه إلى ضرورة إختلاف الأدوات السرديّة بإختلاف الأشكال التعبيرية وتجربته في هذا المجال واسعه للغاية .. فهو يرى بحق أن لكل فن لغته الخاصة وعلى الكاتب أن يتقيّد بلغه الفن الذي اختاره ، فالكتابة السردية روائية كانت أم قصصية كتابية أدبيه خالصه ..

وهو تلميذ Pier Paolo Pasolini ومن ناحيه الكتابة المسرحية فيرى فيها كتابة ثلاثية الأبعاد ترمي إلى تكوين المشهد المسرحي الذي يحاكي الواقع ويتفاعل فيه المشاهد والممثّل بخلاف الكتابة السينمائية التي يعتبرها ثنائية الأبعاد حيث تخلق مشهداً مستوياً استواء عدسه الكاميرا والشاشه التي يعرض عليها الفيلم وتستدعي إنتباه حاستي النظر والسمع وكلها تختلف عن الكتابة الإذاعية التي لا تستدعي إلا السمع ..

وفي هذا المجال يقول : ’’ يجب على الكاتب أن يتملّكـ معرفه عميقه بلغات الكتابة المتنوعه ووعياً بإختلافها كما يجب عليه في الوقت نفسه ألا ينسى الأبعاد التي يستثنيها الفن كما هو متعارف عليه ’’

فهو يستثني تلكـ الأبعاد عرفاً واعياً بما يفعله ، فالكتابة إذن كباقي الصنائع ، وقد اوضح أفكاره هذه في كتاب يحكي بعضاً من تجربته الأدبيّة ’’ نصائح للكاتب الشاب ’’ وفيه يؤكد على نظرته التي تنظر إلى الأدب ليس كوحي منزّل على الأديب بل كصنعه يجب دراستها وتعلمها وإتقانها وموهبة ..

فهو يقول : ’’ لو أمكن جمع كل اللحظات الخلاقه التي تمر على الكاتب خلال كل حياته الأدبية لما تجاوزت خمس دقائق أما الباقي فهو عمل ودأب يومي كعمل النجار وقد يكون مملاً أحياناً ’’

::

~ الروايــة :

عنوان الرواية الأصلي : Un borghese piccolo piccolo
عنوان الرواية المترجمة : موظف عادي جداً
المؤلف : Vincezo Cerami
عام : 1976
الناشر : Garzanti libri
دار الترجمة : الدار العربية للعلوم ناشرون
الطبعة الأولى : 2009
عدد الصفحات : 141

كانت الفيات العتيقة مركونة موارية على الرصيف أمام محلات ’’ أوبيـم ’’

جوفاني يجب أن يكون في مكتبه الـساعه ثمانية ونصف ، الوزارة ليست بعيدة عن المحـطة المركزية ، جوفاني ساكن في آخر حيّ ’’ توسكلانو ’’ ، لذلكـ عليه أن يصل أولاً إلى ساحه ’’ سان جوفاني ’’ ومن هناكـ إلى ساحه ’’ فيتوريو ’’ ثم يحازي محطة سككـ ’’ اللاتيوم ’’ ثم المحطة المركزية وساحة ’’ أسيدرا ’’ ليجد نفسه أمام الوزارة ..

ذلكـ الصباح لم يكن مثل أي صباح آخر ، عادةً فور ما يركب سيارته يبدأ بالشتائم ولا ينتهي إلا بعد أن يدخل بوابة الوزارة ، جوفاني يصرخ في وجه السائقين وفي وجه المشاة ، يضغط على الزمّور بغضب ويوزع الشتائم القذرة على كل من يظن أنه سيقطع عليه الطريق أو يعرقل سيره ويلعن البلدية وهيئة الشوارع والحكومة وإيطاليا وكل البشرية ..

أمـا في ذلكـ الصـباح فقد كان صامتاً هادئـاً وسار فـي طريـقه بإنـتظام دون أن يزمّـر يـميناً وشمالاً ودون أن يـصرخ بل كان يحترم كل إشارات المـرور ، بالطبع كـان السـائقون الآخرون يشتمونه وقد مُسـخت وجوههم غضباً فأصبحوا كالقـرود يصرخون في وجهه بكل الـصفات المهينة التي يحتوي عليها قاموس الساعة ثمانية ونصف ، وهو قاموس صغير لكنه كامل حـقاً .. أما جوفاني فقد كان قابعاً في كوخه المعدني المتحركـ الصغير لا ينتبه لشيء ولا يلوي على شيء ، بل لم يكون موجوداً

~ القصـــه :

بعـد نزهة قصيرة لصيد السمكـ في الريف إنطلقت سيارة الفيتا القديمة بسرعه نحو حيّ توسكلانو في إحدى مدن إيطاليا حيث تعيش هناكـ عائلة فيفالدي بين المدن والمكوّنه من الأب جوفاني والأم آماليا وولدهم الوحيد ماريو .. آثناء ذلكـ كانت آماليا تتابع فيلماً على شاشه التلفاز وهي ترتشف كوباً من القهوة وبعد مرور المشـاهد وصل جوفاني وماريو إلى منزلهما وهما يقاطعان آماليا لمتابعه المباراة .. في صباح اليوم التالي كانت آماليا منشغله في المطبخ فيد كانت تعدّ الفطور والأخرى تتصفح أخبار إحدى المجلات ، وكان ماريو نائماً في غرفته منتظراً مستقبله الذي سيحدوا إليه ، وكان جوفاني في سريره مستغرقاً في حلمه حتى رن جرس منبّه ساعته ليعلن يوماً جديداً حتى خرج متوجهاً إلى عمله ..  فهـل يا تُـرى ستتحقق أحلام عائلة فيفالدي أم سيتحول الحلم إلى كابوس ؟

~ الشخصيــات :

جوفاني : رجل ريفي شائخ العمر يعمل موظفاً صغيراً شارف على التقاعد في غرفه من أربع طاولات عند الزوايا والخامسة بجانب النافذة حتى جلس في مكانه في الوزارة ، محدود الثقافه ومخلص في عمله وعنيف في ملازمته لتصرفاته ويهوى الصيد ومشاهدة التلفاز ويمتلك سيارة الفيات العتيقه ، حياته تسير بوتيره نظامية وعادية جداً مع عائلته في حيّ توسكلانو بشوارعه الباردة وهو فخور بما قدمه من نجاح ، ويرغب في توظيف إبنه في الوزارة نفسها التي يعمل فيها وهو على إستعداد لفعل أي شيء من أجل ذلكـ .. فهـل يا تـُرى كيف سيحقق رغبته في توظيف إبنه وكيف سيواجه مصدر فخره بما حققه من إنجاز في مشوار حياته ؟

ماريو : شاب في العشرين من العمر يعيش مع والديه في حيّ توسكلانو حيث وُلد في المدينة بعكس والده الـذي كان فلاحاً فقيراً ، تخصصه في المحاسبة وسيتعيّن عليه إجتياز الإختبار التحريري في المسابقة والتي تركت ألفا وظيفة متاحة في ظل تقدم إثنا عشر ألف طلب للنجاح في المسابقة والجلوس في المقعد الوظيفي بالوزارة حتى وصلته الرسالة التي طال إنتظارها والتي حددت  بمبنى الإمتحانات تجاه وزاره المعارف في حيّ تراستيفيره ، كان يعلم أن دوره قد يكون أول الأدوار القادمه في تاريخ حياة العائلة .. فهـل يا تـُرى سينجح في إختبار المسابقة وسيغيّر مجرى حياة العائلة كلها ؟

آماليا : إمرأة مربية في منـزل العائلة في حي توسكلانو مع زوجها جـوفاني وإبنها الوحيد ماريو ، مـن أول ظهور لها حيث دخلت إلى منزلها متجهه نحو المطبخ لتعدّ لها كوباً من القهوة حتى شرع زوجها حاكياً لهـا عن حلمه وهي مشككه في قدراته لإدخال إبنه وتوظيفه في نفس الوزارة التي يعمل بها ، كانت تشعر بآلام شديدة في قدميها إستجابة لطلبات زوجها وولدها ووقت الراحه كانت تقرأ مجلة ’’ كرونكا فيرا ’’ الأخبار الحقيقية فكانت تهتم بالأحداث السيئة وتتمتع بنكران الذات التي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب .. فهـل يا تـُرى سيكتب مقال خاص على المجلة لأحداث هذه العائلة يوماً ما ؟

د. سباتسياني : رئيس مكتب في الـوزارة ، هو رئيس عمل جوفاني منذ أن عرفه منذ اثنتين وعشرون سنة وأربعه أشهر وثمانية عشـر يوماً كما أحصاها جوفاني عندما دخل مكتب رئيسه فـي أول مشهد يجـمعهما طالباً المساعده في توظيف إبنه والفوز بالمسابقه ، كان الإمتحان عبارة عن فحصين شفـوي وتحريري وأصدر حكمه بوجوب نجاح ولده في التحريري ، وخلف قناع وجه رئيسه العابس كان سباتسياني عضواً في الماسونية بيده سيف وعصابه سوداء في يده الأخرى وكان على موعد في محفل للماسونيين .. فهـل يا تـُرى سيكون هو بوابة العبور لعائلة فيفالدي وما سر الماسونية ؟

~ قـالــوا :

إيتـالو كالفينو » منذ الصفحة الأولى تأخذكـ رواية فنتشنزو تشرامي وتجبركـ على إلقاء نظرة نقديّة متفحّصة على عيّنه نموذجية تمثّل جزءاً من المجتمع الإيطالي ، ألا وهو عالم موظفي الدولة ، عالم موظف في وزارة يقضي معظم حياته بتصريف معاملات الإحاله على التقاعد بإنتظار أن يجيء دوره كي يتقاعد هو ايضاً .. وفي أثناء ذلكـ يحاول توظيف إبنه في الوزارة نفسها وبمرتبة أعلى من مرتبته ، يتوّقع القارئ من قراءة رواية تروي قصة موظفين لا غير أن تكون باهتة مملّه قليلة الأحداث وقد يتوقعها هازئه ساخرة من شخوصها ..

لكن الرواية جاءت على غير ما نتوقعه فالأحداث فيها متتالية متسارعه مطبوعه بطابع قصصي شيّق ، كما في وصف مشهد طقوس الإنتظام في محفل ماسوني أو في المشاهد العنيفة التي جعلت من بطل القصة لبضعه أيام نجماً من نجوم الصحافة التي تنقل اخبار الجريمة أو كما في تسلسل الأحداث التي تؤدي بالبطل إلى أن ينتقم لنفسه إنتقاماً شنيعاً

::

~ الفيلــم :

إسم الفيلم : Un borghese piccolo piccolo
النوع : دراما
عام : 1977
سيناريو : Sergio Amidei & Mario Monicelli
مدة العرض : 128 دقيقة
توزيع : Cineriz
إخراج : Mario Monicelli
بطولة الشخصيات :
Giovanni Vivaldi » Alberto Sordi
Amalia Vivaldi » Shelley Winters
Dottor Spaziani » Romolo Valli
Mario Vivaldi » Vincenzo Crocitti

الفيلم المقتبس من الرواية الأصلية لفنتشنزو تشرامي والذي وقع على أعين هيئة المحلفين برئاسة روبرتو روسيليني في مهرجان كان السينمائي في شهر مايو عام 1977 والذي كان مرشحاً من أحد الأفلام المميزة خلال ذلكـ العام في الفوز بالمسابقه .. وهذا مقطع للفيلم :

’’ مقطع لفيـلم Un borghese piccolo piccolo ’’

::

~ الرأي الشخصي :

من أكثر الأشياء التي جذبتني للرواية هو عنوانها وملخصها وتخيّل قصص الموظفين وشؤونهم وبالتحديد أن لي كثير من الميول للفنون الإيطالية الجميله حتى لم أتردد في شراءها بعد ما سمعت عنها وخصوصاً أنها تجربتي الجديدة في هذا النوع الفريد .. لـم تعجبني مقدمه الـمترجم بسـبب حرقه للأحـداث فـي بعـض التحليلات الخاصه وسببت لي صدمه لم تكن في الحسبان وعموماً الرواية جاءت ساخرة بصور كريكاتيرية سريعه في تصوير فئة من الأحوال الإيطالية وبعد تصفحي تحولت بشكل غير متوقع خفيفه وسريعه ، ناقده في نفس الوقت إلا أنها تستحق القراءة لتلقي نظرة على شرفه النافذة مع طلوع شمس الغد حول هذا العالم .. ولمن أحب زيارة موقع الكاتب الرسمي يتفضل هنا :

www.vincenzocerami.it

ســلام ،،

عشاق بيــة / رواية العجائز بامتياز

الروايـة تتحدث عن أربعة شيوخ مسنين يبدون مثل أطفال، لكنهم يقدّمون عالماً يفصح عن كل ما يعرّي الشيوخ المسنين من مشاعر لا يحبون الإفصاح عنها، كغروب حياتهم الجنسية، كمثول الموت في هيئتهم، في أجسادهم النحيلة، الساكنة في زمن ميّت مرهون للتأمل والكلام. أربعة شيوخ مسنين، يعشق اثنان منهم المرأة نفسها( بيّة ) التي سيتزوجها فيما بعد ابن أحدهما. حول هذه المواضيع تدور رواية “حبيب السالمي” التي يسردها بلغة بسيطة شفافة ترتقي بحواراتهم الساذجة إلى مستوى فني رفيع.

الرواية / عشاق بية
المؤلف / الأديب التونسي الحبيب السالمي
دار الاداب
2002

عشاق بية

انطباعات عابرة …

انها رواية العجائز بامتياز ، عالم الريف ونوادر الشيوخ وماضيهم
أربعـة شيوخ يجلسون كل يوم تحت ظل زيتونة ( زيتنة الكلب )، يستعيدون ذكريات الماضي ، يبدون آراءهم في الحياة و النساء ، في الموت والغربة ، في الحب و الجنس و الذاكرة ..
المكي ، الطيب ، البرني ، ومحمود ، هم أبطال هذه الرواية التي عزفت بداخلي على أوتار كثيرة مؤلمة ، أولها أني عشت تفاصيل مشابهة تماما لهذه الحكاية ، فكيف لم أنتبه أنها يمكن أن تشكل نواة عمل مدهش ..

أذكر في السنوات الأخيرة التي ابتعدت فيها عن مدينتي .. كنت في اجازاتي المقتضبة ألحظ جدي / رحمة الله عليه / يغيب مساء ، وحين سألت عن الأمر ، عرفت أنه يذهب كل عشية ليجلس الى اصحابه العجائز تحت شجرة ” لوز او بلوط ” لست اذكر ، وهناك يقضي أجمل و اسعد أوقاته .. لم استفسر كثيرا عن الأمر ، بدا لي أن هذا ما يفعله العجائز عادة خاصة حين يتقاعدون عن العمل ، فمتعتهم الوحيدة قد تتحول الى لعبة بسيطة / الخربقة / يلعبونهاتحت ظل تلك الشجرة ثم يعودون الى منازلهم مع صلاة المغرب ..

رحل جدي منذ سنتين ( رحمة الله عليه ) وتساقط أصحابه بعده واحدا واحدا ، كما أتخيل أن يحدث لأبطال رواية / عشاق بية / لو أنهم عاشوا خارج الورق إمتداد لهذا النص ..

الحبيب السالمي أعاد إلي كل ذلك في صفحات روايته ، في البداية تساءلت كما قد يتساءل البعض ، كيف راهن الكاتب على نجاح رواية أبطالها أربعة عجائز وهو الكاتب الشاب الذي يمتليء حيوية ، ثم عرفت أن براعة الكاتب في تحويل تلك الحكاية البسيطة الى حكاية ملهمة ، هو ما يصنع نجاحها .

ضحكت كثيرا مع نوادرهم ، حكاياهم ، عشقهم لبية الأرملة التي تزوجت في الأخير ابن المكي العائد من الغربة و سفرها معه ، غضبهم من زواجها وكأنه مقدر عليها أن تظل أرملة حتى يعود اليهم بعض العنفوان و الشباب كلما فكروا بها .. ثم مكاتبتها لهم ليجدوا لها حلا في معضلتها التي تمثلت في اكتشافها أن زوجها سارق وأنه منذ – ذلك الاكتشاف المشؤوم – بات يسيء معاملتها بكل الأشكال و الطرق ..

فرحت بالنص لاني كنت أراني في تفاصيله ، ليس لأن الحكاية تشبه جزءا مهما من ذاكرتي و لكن لان اللهجة التونسية المحلية التي استعملها الكاتب في الكثير من المرات هي لهجتي بحكم ( نشأتي على الحدود التونسية ) ، وورود عبارات كثيرة لم أعد أسمعها لبعدي عن هناك ..

وبقدر الضحكات التي زرعها الكاتب في نصه / بالنسبة لي على الاقل / وبقدر جرأته ، بقدر الوجع الذي يكمن في الكثير من التفاصيل ، فالعجائز الاربع يقتربون من الموت ، أو هكذا هم يشعرون ، وهذا في حد ذاته احساس لازمهم جميعا ، في أسئلتهم عن الموت و عن الجنة و النار ، في حواراتهم ، في الجنازات التي تمر من أمامهم ، في احساسهم بها ، في عجزهم ، في ترهلات الجسد و انطفاء الرغبة، في أمور كثيرة ، لابد من قراءتها في هذا النص لمقاربة أحاسيس هذه الشريحة من الناس .

تختتم الرواية بموت محمود ، أحد أهم أبطال الرواية ، وحزن أصحابه على رحيله وعودتهم الى الزيتونة التي تجمعهم ، يتحدثون عن موته ، ثم يستسلمون لهذا الحدث الأليم ، ويقومون كعادتهم للصلاة..

الرواية ممتعة وتستحق القراءة فعلا ..

نادي مفيستو

غلاف الرواية الاجنبية

رائعة من روائع الكاتبة (تيس جريستين ) فهي طبيبة و مؤلفة حققت افضل مبيعات حول العالم في روايتها الأولى المتعلقة بالإثارة الطبيةوهي رواية الحصاد.
وقد أبدعت في سرد رواية نادي مفيستو بكل معنى للابداع فهي تتحدث عن نادي يدعى بنادي مفيستو وهو عبارة عن مجموعة من الباحثين الذين يهدفون الى اثبات أن الشيطان نفسه يعيش بيننا متنكراً في هيئة ادمي بعد ذلك تتوالى احداث القتل و سرعان ما بدأ اعضاء النادي بالخوف من موضوع دراستهم الرئيسي فهل يمكن أن يكون القاتل المسعور واحدا من اعضاء ناديهم هذا ما سوف يتعرف عليه القراء عندما يلتهمون احداث الرواية الشيقة التهاما بأعينهم .