طوق الحمامة في الألفة والآلاف لابن حزم الظاهري الأندلسي
للمزيد عن ابن حزم عالم الأندلس في عصره وأحد أئمة الإسلام .
ينقسم الكتاب إلى أربع أقسام
القسم الأول : أصول الحب
1- أول أبواب الرسالة
2- باب علامات الحب
3- باب من أحب في النوم
4- باب من أحب بالوصف
5- باب من أحب من نظرة واحدة
6- باب من لا يجب إلا مع المطاولة
7- باب التعريض بالقول
8- باب الإشارة بالعين
9- باب المراسلة
10- باب السفير
القسم الثاني : أعراض الحب وصفاته
1- باب الصديق المساعد
2- باب الوصل
3-باب طي السر
4- باب الكشف و الإذاعة
5- باب الطاعة
6- باب المخالفة
7- باب من أحب صفة لم يجب بعدها غيرها مما يخالفها
8- باب القنوع
9-باب الوفاء
10- باب الغدر
11- باب الضنى
12-باب الموت
القسم الثالث: الآفات الداخلة على الحب
1-باب العاذل
2-باب الرقيب
3-باب الواشي
4-باب الهجر
5-باب البين
6-باب السلو
القسم الرابع: خاتمة الرسالة
1-باب الكلام في قبح المعصية
2-باب في فضل التعفف
هذه قصة ظهور هذا الكتاب! نشر المستشرق الهولندي رينهارت دوزي قصة ألفة المحبة عند ابن حزم لجارية نشأت في دارهم بعد أن ترجمها إلى الفرنسية “لغة الحب” بأسلوب عذب جميل ، لكنه لم يستطع نشر الأصل العربي، فقام المستشرق الروسي D.K.Petrof الأستاذ في الجامعة الإمبراطورية في بطرسبرغ بنشرها أول مرة عام 1914م.
يعتبر كثير أن هذا الكتاب هو أول كتاب يتحدث عن الحب بهذا التفصيل ومابين أيدينا اليوم ليس النسخة الكاملة منه ولكن بعضه فقط، أما أغلب الكتاب فلم يصل، وقد ترجم الكتاب إلى عدة لغات الإنجليزية الروسية الألمانية الإيطالية الفرنسية و الإسبانية.
يبدأ ابن حزم الكتاب بحمد الله و الصلاة على محمد عبده ورسوله ثم يقول “عصمنا الله وإياك من الحيرة، ولا حملنا ما لا طاقة لنا به” ويذكر سبب تأليفه لهذا الكتاب وهو أن صديق له طلب منه أن يصنف له رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأغراضه ..
ويقول ابن حزم بعد ذلك
الحب أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها على أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وهو ليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة إذ القلوب بيد الله، وقد أحب من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين كثير ..
2- باب علامات الحب
للحب علامات يعرفها الفطن، ويهتدي إليها الذكي. فأولها إدمان النظر و العين باب النفس الشارع، وهي المنقبة عن سرائرها و المعبرة لضمائرها و المعربة عن بواطنها. فترى الناظر يتنقل بتنقل المحبوب وينزوي بانزوائه ويميل حيث مال كالحرباء مع الشمس.
3-باب من أحب في النوم
ولا بد لكل حب من سبب يكون له أصلاً، وأنا مبتدئ بأبعد ما يمكن أن يكون من أسبابه ليجري الكلام على نسق، أو أن يبدأ أبداً بالسهل والأهون. فمن أسبابه شيء لولا أني شاهدته لم أذكره لغرابته.
4- باب من أحب بالوصف
ومن غريب أصول العشق أن تقع المحبة بالوصف دون المعاينة، وهذا أمر يُترقى منه إلى جميع الحب، فتكون المراسلة والمكاتبة و الهم والوجد و السهر على غير الإبصار، فإن للحكايات ونعت المحاسن ووصف الأخبار تأثيراً في النفس ظاهراً.
وأن تسمع نغمتها من وراء جدار، فيكون سبباً للحب واشتغال البال.
5- باب من أحب من نظرة واحدة
وكثيرا ما يكون لصوق الحب بالقلب من نظرة واحدة، وهو ينقسم قسمين، فالقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا، وهو أن يعشق المرء صورة لا يعرف من هي ولا يدري لها اسماً ولا مستقراً.
6- باب من لا يحب إلا مع المطاولة
ومن الناس من لا تصح محبته إلا بعد طول المخافتة وكثير المشاهدة وتمادي الأنس، وهذا الذي يوشك أن يدوم ويثبت ولا يحيك فيه مر الليالي، فما دخل عسيراً لم يخرج يسيراً.
7- باب من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها
وأعرف من كان أول علاقته بجارية مائلة إلى القصر فما أحب طويلة بعد هذا
8- باب التعريض بالقول
والناس يختلفون في ذلك على قدر إدراكهم، وعلى حسب ما يرونه من أحبتهم من نفار أو أنس أو فطنة أو بلادة. وإني لأعرف من ابتدأ كشف محبته إلى من كان يحب بأبيات قلتها. فهذا وشبهه يبتدئ به الطالب للمودة، فإن رأي أنساً وتسهيلاً زاد، وإن يعاين شيئاً من هذه الأمور في حين إنشاده لشيء مما ذكرنا، أو إيراده لبعض المعاني التي حددنا، فانتظاره الجواب، إما بلفظ أو بهيئة الوجه و الحركات، لموقف بين الرجاء و اليأس هائل وإن كان حيناً قصيراً ولكنه إشراف على بلوغ الأمل أو انقطاعه.
9-باب الإشارة بالعين
ثم يتلو التعريض بالقول، إذا وقع القبول والموافقة، الإشارة بلحظ العين وإنه ليقوم في هذا المعنى المقام المحمود، ويبلغ المبلغ العجيب، ويقطع ويتواصل به، ويعد ويهدد، ويفيض، ويبسط ويؤمر وينهى، وتضرب به الوعود، وينبه على الرقيب، ويضحك ويحزن، ويسأل ويجاب ، ويمنع ويعطى.
ولكل واحد من هذه المعاني ضرب من هيئة اللحظ لا يوقف على تحديده إلا بالرؤية وأنا واصف ما تيسر من هذه المعاني
فالإشارة بمؤخرة العين الواحدة نهى عن الأمر، وتفتيرها إعلام بالقبول، وإدامة النظر دليل على التوجع والأسف، وكسر نظرها آية الفرح. و الإشارة إلى أطباقها دليل على التهديد، وقلب الحدقة إلى جهة ما ثم ثرفها بسرعة تنبيه على مشار إليه.
الخ الخ
10- باب المراسلة
ثم يتلوا ذلك إذا امتزجا المراسلة بالكتب. وللكتب آيات. وينبغي أن يكون شكل الكتاب ألطف الأشكال، وجنسه أملح الأجناس. ولعمري إن الكتاب للسان في بعض الأحايين، إما لحصر في الإنسان وإما لحياء وإما لهيبة. نعم، حتى إن لوصول الكتاب إلى المحبوب وعلم المحب أنه قد وقع بيده ورآه للذة يجدها المحب عجيبة تقوم مقام الرؤية، وإن لرد الجواب و النظر إليه سروراً يعدل اللقاء، ولهذا ما ترى العاشق يضع الكتاب على عينيه وقلبه ويعانقه.
11- باب السفير
يقع في الحب بعد هذا، بعد حلول الثقة وتمام الاستئناس: إرسال السفير. ويجب تخيره وارتياده واستجادته واستفراهه، فهو دليل عقل المرء وبيده حياته وموته وستره وفضيحته. فينبغي أن يكون الرسول ذا هيئة، حاذقا يكتفي بالإشارة ويقرطس عن الغائب ويحسن من ذات نفسه ويضع من عقله ما أغفله باعثه، ويؤدي إلى الذي أرسله كل ما يشاهد على وجهه كأنما كان للأسرار حافظاً وللعهد وافيا قنوعاً ناصحا. ومن تعدى هذه الصفات كان ضرره على باعثه بمقدار ما نقصه منها وفي ذلك أقول شعرا منه
رسولك سيف في يمينك فاستجد ….. حساما ولا تضرب به قبل صقله
فمن يك ذا سيف كهام فضره ….. يعود على المعني منه بجهله
12- باب طي السر
ومن بعض صفات الحب الكتمان باللسان وجحود المحب وإن سئل والتصنع بإظهار الصبر. ويأبى السر الدقيق، ونار الكلف المتأججة في الضلوع، إلا ظهوراً في الحركات و العين، ودبيباً كدبيب النار في الفحم والماء في يبيس الطين.
وإني لأعرف بعض من امتحن بشيء من هذا فسكن الوجد بين جوانحه، فرام جهده إلى أن أغلظ الأمر، وعرف ذلك في شمائله من تعرض للمعرفة ومن لم يتعرض. وفي ذلك أقول شعراً
ما عاش إلا لأن الموت يرحمه ….. مما يرى من تباريح الضنى فيه
وأٌقول
دموع الصب تنسفك …. وستر الصب ينهتك
كأن القلب إذ يبدوا …. قطاة ضمها شرك
فيا أصحابنا قولوا … فإن الرأي مشترك
إلى كم أكاتمه ….. ومالي عنه مُترك؟
وأقول
درى الناس أني فتى عاشق ….. كئيب معنى، ولكن بمن؟
إذا عاينوا حالتي أيقنوا ….. وإن فتشوا رجعوا في الظنن
كخط يرى رسمه ظاهراً … وإن طلبوا شرحه لم يبن
كصوت حمام على أيكة … يرجع بالصوت في كل فنن
تلذ بنوحه أسماعنا …. ومعناه مستعجم لم يبن
13- باب الإذاعة
وقد تعرض في الحب الإذاعة ، وهو من منكر ما يحدث من أعراضه، ولها أسباب
منها أن يريد صاحب هذا الفعل أن يتزيا بزي المحبين، ويدخل في عدادهم، وهذا خلابة لا ترضى، وتجليح بغيض ودعوى في الحب زائفة . وربما كان من أسباب الكشف غلبة الحب وتسور الجهر على الحياء، فلا يملك الإنسان حينئذ لنفسه صرفاً ولا عدلا. وهذا من أبعد غايات العشق وأقوى تحكمه على العقل.
14- باب الطاعة
ومن عجيب ما يقع في الحب طاعة المحب لمحبوبه، وصرفه طباعه قسراً إلى طباع من يحبه وربما يكون المرء شرس الخلق صعب الشكيمة جموح القيادة ماضي العزيمة حمي الأنف أبي الخسف فما هو إلا أن يتنسم نسيم الحب ويتورط غمره ويعوم في بحره فتعود الشراسة لياناً والصعوبة سهلة والمضاء كلالة والحمية استسلاماً وفي هذا أقول
فهل للوصال إلينا معاد …. وهل لتصاريف ذا الدهر حد
فقد أصبح السيف عبد القضيب … وأضحى الغزال الأسير أسد
15- باب المخالفة
وربما اتبع المحب شهوته وركب رأسه فبلغ شفاءه من محبوبه، وتعمد مسرته منه على كل الوجوه سخط أو رضى.
16- باب العذل
وللحب آفات فأولها العذل. والعذل أقسام أولها صديق قد أسقطت مؤونة التحفظ بينك وبينه ثم عاذل زاجر لا يقي أبداً من الملامة.
17- باب المساعدة من الإخوان
ومن الأسباب المتمناة في الحب أن يهب الله للإنسان صديقاً مخلصاً لطيف القول بسيط الطول واسع العلم قليل المخالفة عظيم المساعفة شديد الاحتمال صابرا على الإدلال ….
فإن ظفرت به يداك فشدهما عليه شد الضنين، وأمسك بهما إمساك البخيل وصنه بطارفك وتالدك فمعه يكمل الأنس وتنجلي الأحزان ويقصر الزمان وتطيب الأحوال.
و ما رأيت الإسعاد أكثر منه في النساء، فعندهن من المحافظة على هذا الشأن والتواصي بكتمانه و التواطؤ على طيه إذا اطلعن عليه ما ليس عند الرجال ، وما رأيت امرأة كشفت سر متحابين إلا وهي عند النساء ممقوتة مستثقلة مرمية عن قوس واحدة، وإنه ليوجد عند العجائز في هذا الشأن مالا يوجد عند الفتيات.
خبر
وإني لأعلم امرأة جليلة حافظة لكتاب الله ناسكة مقبلة على الخير وقد ظفرت بكتاب لفتى إلى جارية كان يكلف بها، وكان في غير ملكها، فعرفته الأمر فرام الإنكار، فلم يتهيأ له ذلك، فقالت له: ومالك؟ ومن ذا عصم؟ فلا تبال بهذا، فوالله لا أطلعت على سركما أحداً ابداً، ولو أمكنتني أن أبتاعها لك من مالي ولو أحاط به كله لجعلتها لك في مكان تصل إليها فيه ولا يشعر بذلك أحد.
18- باب الرقيب
من آفات الحب الرقيب ، وإنه لحمى باطنة وبرسام ملح وفكر مكب والرقباء أقسام ..
19- باب الواشي
ومن آفات الحب: الواشي، وهو على ضربين: أحدهما واش يريد القطع بين المتحابين فقط والآخر ؟؟ اقرأ الكتاب!!
20- باب الوصل
من وجوه العشق الوصل، وهو حظ رفيع ومرتبة سرية ودرجة عالية وسعد طالع. بل هو الحياة المجددة و العيش السني والسرور الدائم ورحمة من الله عظيمة ولولا أن الدنيا ممر ومحنة وكدر والجنة دار جزاء وأمان من المكاره لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه، و الفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه وكمال الأماني ومنتهى الأراجي. ولقد جربت اللذات على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها فما للدنو من السلطان ولا للمال المستفاد ولا الوجود بعد العدم ولا الأوبة بعد طول الغيبة ولا الأمن بعد الخوف ولا التروح على المال من الموقع في النفس ما للوصل، ولا سيما بعد طول الامتناع.
ومن لذيذ معاني الوصل المواعيد، وإن للموعد المنتظر مكانا لطيفا من شغاف القلب وهو ينقسم قسمين أحدهما الوعد بزيارة المحب لمحبوبه و الثاني انتظار الوعد من المحب أن يزور محبوبه.
21- باب الهجر
ومن آفات الحب أيضاً الهجر وهو على ضروب
أ- فأولها هجر يوجبه تحفظ من رقيب حضر، وأنه لأحلى من كل وصل. ولولا أن ظاهر اللفظ وحكم التسمية يوجب إدخاله في هذا الباب لرجعت به عنه ولأجللته عن تسطيره فيه.
ب-ثم هجر يوجبه التذلل
وهو ألذ من كثير الوصال ولذلك لا يكون إلا ثقة كل واحد من المتحابين بصاحبه.
ج-ثم هجر يوجبه العتاب لذنب يقع من المحب وهذا فيه بعض الشدة ولكن فرحة الرجعة وسرور الرضي يعدل ما مضى، فإن لرضي المحبوب بعد سخطه لذة في القلب لا تعدلها لذة وموقفا من الروح لا يفوقه شيء من أسباب الدنيا.
22- باب الوفاء
ومن كريم حميد الغرائز وكريم الشيم وفاضل الأخلاق في الحب وغيره: الوفاء، وإنه لمن أقوى الدلائل وأوضح البراهين على طيب الأصل وشرف العنصر، يتفاضل بالتفاضل اللازم للمخلوقات وفي ذلك أقول
أفعال كل امرئ تنبي بعنصره ….. والعين تغنيك عن أن تطلبا لأثر
أ- وأول مراتب الوفاء أن يفي الإنسان لمن يفي له، وهذا فرض لازم وحق واجب على المحب و المحبوب ولا يحول عنه إلا خبيث الأصل لا خلاق له ولا خير عنده.
ب- ثم مرتبة ثانية وهو الوفاء لمن غدر وهي للمحب دون المحبوب، وليس للمحبوب هاهنا طريق يلزمه ذلك، وهي خطة لا يطيقها إلا جلد قوي واسع الصدر حرف النفس عظيم الحلم جليل الصبر حصيف العقل ماجد الخلق سالم النية. ومن قابل الغدر بمثله فليس بمستأهل لملامة ولكن الحال التي قدمنا تفوقها جدا وتفوتها بعدا. وغاية الوفاء في هذه الحال ترك مكافأة الأذى بمثله و الكف عن سيء المعارضة بالفعل و القول والتأني في جر حبل الصحبة ما أمكن ورجيب الألفة و طمع في الرجعة ولاحت للعودة أدنى مخيلة وشيمت منها أقل بارقة أو توجس منها أيسر علامة. فإذا وقع اليأس واستحكم الغيظ فحينئد السلامة لمن غرك و الأمن لمن ضراك والنجاة لمن آذاك، وأن يكون ذكر ما سلف مانعاً من شفاء الغيظ فيما وقع، فرعي الذمة حق وكيد على أهل العقول، و الحنين إلى ما مضى وألا ينسى ما قد فرغ منه وفنيت مدته أثبت الدلائل على صحة الوفاء وهذه الصفة حسنة جداً وواجب استعمالها في كل وجه من وجوه معاملات الناس فيما بينهم على أي حال كانت.
ولى فولى جميل الصبر يتبعه ….. وصرح الدمع ماتخفيه أضلعه
جسم ملول وقلب آلف فإذا ….. حل الفراق عليه فهو موجعه
لم تستقر به دار ولا وطن ….. ولا تدفأ منه قط مضجعه
كأنما صيغ من رهو السحاب فما ….. تزال ريح إلى الآفاق تدفعه
كأنما هو توحيد تضيق به ….. نفس الكفور، فتأبى حين تودعه
أو كوكب قاطع في الأفق منتقل ….. فالسير يغريه حينا، ويطلعه
أظنه لو جزته أو تساعده ….. ألقت عليه انهمال الدمع يتبعه
23- باب الغدر
وكما أن الوفاء من سري النعوت ونبيل الصفات، فكذلك الغدر من ذميمها ومكروهها.
24- باب البين
ولقد علمنا أنه لا بد لكل مجتمع من افتراق، ولكل دان من تناء، وتلك عادة الله في العباد والبلاد حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. وما من شيء من دواهي الدنيا يعدل الافتراق ولو سالت الأرواح به فضلا عن الدموع كان قليلا. وسمع بعض الحكماء قائلا يقول: الفراق أخو الموت، فقال: بل الموت أخو الفراق!
25- باب القنوع
ولا بد للمحب إذا حرم الوصل من القنوع بما يجد وإن في ذلك لمعتللاً للنفس وشغلا للرجاء وتجديدا للمنى وبعض الراحة وهو مراتب
أ-أولا الزيارة وإنها لأمل من الآمال ومن سري ما يسنح في الدهر مع ما تبدى من الخفر والحياء ولما يعمله كل واحد منها مما في نفس صاحبه.
ب- ومن القنوع أن يسر الإنسان ويرضى ببعض آلات محبوبه، وإن له من النفس لموقعا حسنا، وإن لم يكن فيه إلا ما نص الله تعالى علينا ومن ارتداد يعقوب بصيرا حين شم قميص يوسف عليها السلام.
ج- ومن القنوع الرضا بمزار الطيف و تسليم الخيال. وهذا إنما يحدث عن ذكر لا يفارق وعهد لا يحول وفكر لا ينقضي فإذا نامت العيون وهدأت الحركات سرى الطيف وفي ذلك أقول:
زار الخيال فتى طالبت صبابته … على احتفاظ من الحراس و الحفظه
فبت في ليلتي جذلان مبتهجاً ….. ولذة الطيف تنسى لذة اليقظه
د-ومن القنوع أن يقنع المحب بالنظر إلى الجدران ورؤية الحيطان التي تحتوى على من يحب.
هـ-ومن القنوع أن يرتاح المحب إلى أن يرى من رأى محبوبه ويأنس به ومن أتى من بلاده.
26- باب الضنى
ولا بد لكل من حب صادق المودة ممنوع الوصل -إما ببين وإما بهجر وإما بكتمان – من أن يؤول إلى حد السقام و الضنى و النحول، وربما أضجعه ذلك. وهذا الأمر كثير جدا موجود أبداً وفي ذلك أقول
يقول لي الطبيب بغير علم: ….. تداو، فأنت يا هذا عليل
ودائي ليس يدريه سوائي ….. ورب قادر ملك جليل
أأكتمه ويكشفه شهيق ….. يلازمني، وإطراق طويل
ووجه شاهدات الحزن فيه ….. وجسم كالخيال ضن نحيل
وأثبت ما يكون الأمر يوما ….. بلا شك إذا صح الدليل
فقلت له: أبن عني قليلا ….. فلا والله تعرف ما تقول
فقال: أرى نحولا زاد جداً ….. وعلتك التي تشكو ذبول
فقلت له: الذبول تعل منه ….. الجوارح وهي حمي تستحيل
وما أشكو -لعمر الله- حمى ….. وإن الحر في جسمي قليل
فقال: أرى التفاتاً، وارتقابا ….. وأفكاراً وصمتاً لا يزول
وأحسب أنها للسوء فانظر ….. لنفسك، إنها عرض ثقيل
فقلت له: كلامك ذا محال ….. فما للدمع من عيني يسيل
فأطرق باهتاً مما يراه ….. ألا في مثل ذا بهت النبيل
فقلت له: دوائي منه دائي ….. ألا في مثل ذا ضلت عقول
وشاهد ما أقول يرى عياناً ….. فروع النبت إن عكست أقول
وترياق الأفاعي ليس شيء ….. سواه ببرء ما لدغت كفيل
27- باب السلو
وقد علمنا أن كل ماله أول فلا بد له من آخر، والسلو في التجربة ينقسم قسمين: سلو طبيعي وهو النسيان وسلو تطبعي وهو قهر النفس وهو المسمى بالتصبر.
28- باب الموت
وربما تزايد الأمر ورق الطبع وعظم الإشفاق فكان سببا للموت ومفارقة الدنيا، وقد جاء في الآثار -يعني أنه لا يصححه- : “من عشق فعف فمات فهو شهيد”.
29- باب قبح المعصية
وكثير من الناس يطيعون أنفسهم ويعصون عقولهم ويتبعون أهوائهم ويرفضون أديانهم . ويتجنبون ما حض الله تعالى عليه وربته في الألباب السليمة من العفة وترك المعاصي ومقارعة الهوى ويخالفون الله ربهم ويوافقون إبليس فيما يحبه من الشهوة المعطبة فيوقعون المعصية في حبهم.
30- باب فضل التعفف
ومن أفضل ما يأتيه الإنسان في حبه التعفف، وترك ركوب المعصية والفاحشة، وألا يرغب عن مجازاة خالقه لم بالنعيم في دار المقامة وألا يعصي مولاه المتفضل عليه الذي جعل له مكاناً وأهلاً لأمره ودينه.
(نهاية الرسالة)
وأنا أعلم أنه سينكر علي بعض المتعصبين علي تأليفي لمثل هذا ويقول: إنه خالف طريقته وتجافى عن وجهته وما أحل لأحد أن يظن في غير ما قصدته، قال تعالى:” يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم”
ويقول صلى الله عليه وسلم “إياكم والظن فإنه أكذب الكذب”
ويقول صلى الله عليه وسلم “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت”
لتصفح نسخة أثرية من كتاب طوق الحمامة
لتحميل كتاب طوق الحمامة