موانئ المشرق | أمين معلوف

 

ما أجمل أن تشرع في قراءة نص فتكتشف و ياللمتعة أن بعض أفكاره وأماكنه قريبة منك ، فتستحث الصفحات شغفا لتستكمل المتعة وتظفر بالفائدة .

أضنة ، العثمانيون ..!

إشارة سريعة إلى هذه المدينة التركية العريقة ، وإلى الإمبراطورية العظيمة التي بناها العثمانيون ، في صدر رواية المبدع اللبناني : أمين معلوف ، جعلتني متحفز الفكر  مشدود الأعصاب إلى هذا العمل الأدبي الرائع : موانئ المشرق .

تبدأ الرواية من لمحة عابرة في عربات المترو ، يلمح فيها الراوي أحد أبطال المقاومة ضد النازية ، ممن كانت صورهم وبطولاتهم تتصدر الجرائد والمجلات بل حتى المقررات الدراسية . عند ذلك يخوض الراوي مغامرته في التعرف أكثر على هذا البطل الثائر ، ومحاولة الولوج إلى تاريخه السامي واستنطاق أيامه وساعات نضاله ، ولا يخطئك أن تلمس حرص الراوي على الكتابة والملاحظة والسؤال ، مما أدى إلى تحفيز البطل على السرد ، فأصبح أشبه بفوهة بركان خرج عن صمته ، وغدى يقذف بالتاريخ من جوفه .

اكتنزت الرواية بأفكار رائعة ونبيلة لكنني أوجز أهمها في ما يلي :

1- التسامح . وهو الظلال الذي خيم فوق النص ، إذ حاول الكاتب معالجته بطريقة متأنية غير مستعجلة وبلغة شفافة سلسلة تومئ إليه ولا تلامسه ، يلاحظه القارئ في أول الرواية حين يقرر كتبدار وريث السلالة العثمانية التركي المسلم الزواج بابنة نوبار معلمه الأرمني اليهودي ..! ، ثم تبدو شمس التسامح واضحة في قصة ارتباط عصيان ابن ذلك السيد بصديقته المناضلة اليهودية كلارا ، وتشكيلهم فيما بعد جمعية للدفاع عن حق العرب واليهود جميعا في أن يعيشوا في أمن وسلام  ، ونبذ للعصبية الصهيونية التي قامت على أصولها الدولة النشاز  . ثم أخيرا تسامح عصيان نفسه مع أخيه الوحيد سالم ، الذي رمى به في مصح للمجانين جعله يعيش ثمانية وعشرين سنة من عمره خارج التاريخ والحياة ..!

2- التمسك بالحياة والأمل بالأفضل ، من أكبر ما يحسّن حياة المرء ويرقيه في إنسانيته التي فطره الله عليها ، فلم ينزلق البطل عصيان إلى حافة الانتحار ولم يغب عنه بصيص الأمل الذي راوده طيلة مرضه ، بأن يسترد عافيته ويرى زوجته الحبييبة ، بل ويعانق مولودته البعيدة عنه بعد أن أضحت فتاة عشرينية جميلة ..!

3- المغامرة واجتراح المجهول فكرة جميلة صورها أمين معلوف بحبكة متقنة . نجد ذلك في مغامرة عصيان لدراسة الطب في فرنسا ، ثم المغامرة الأخطر والأجرأ بانخراطه في المقاومة السرية التي كانت تناكف النازيين ، وأخيرا مخاطرة الفتاة في السفر إلى المصح إلى الذي يقبع فيه أبوها ، بعد تثبيط واجهته من أحد رفاق المقاومة الذي نصحها بتجنب العناء وعدم خوض البحار من أجل رؤية معتوه ..!

4- الوفاء النبيل والحب الجميل ، الذي ظل ينبض به قلب البطل الخائر لمحبوبته و زوجته التي ربما قصرت في تطلب لقياه طيلة ثمان وعشرين سنة .وما أصعب أن تحيي حبا عدت عليه السنون والنكران ..!

هذه أبرز أهداف النص التي سرت في عروقه منذ بدايته . ومع أن النص مكتوب بالفرنسية أولا ، إلا أن اللغة الفصيحة والتعابير الرائقة مع كلمات فلسفية تطل على القارئ أحيانا ، كل ذلك قلل من آثار الفاقد الحتمي في الترجمة وأضفى على العمل حلة إبداعية قشيبة .

وبعد .. فأعجبني في هذالرواية أيضا :

-        تجاوزها التابو الثلاثي الذي يظن كثيرون ألا إبداع إلا باقترافه .

-        التقمص العجيب لنفسيات الأشخاص ومعرفة دوافعهم وطرائق تفكيرهم ، وخصوصا في نسجه مغامرة التنظيمات السرية وكيفية تواصل خلاياها .

-        عدم إثقال النص بتفاصيل التاريخ حين تحدث عن الحرب العالمية والاقتتال الطائفي اللبناني.

-        قلة المخالفات العقدية وتأجيج الصراعات الدينية ، مما شجعني للكتابة عنها والنصح بها .

ختاما : ” المستقبل لا يعيش أبدا بين أسوار الماضي … “

التوقيع : أمين معلوف | صـ37



اقرأ أيضا

»»تلك العتمة الباهره . »»تمارا. »»الكاتب والآخر. »»نصف وجه دامع. »»رواية #وطن - رواية سعودية جديدة تجمع بين الحب والسياسة (للتحميل) لصاحب رواية زوار السفارات.

3 تعليقات على “موانئ المشرق | أمين معلوف

  1. الرواية التي لا تتعرض للتابوه الثلاثي المحرّم قد تصل بسموّ معانيها إلى الأكثر “قراءة” \ “تأثيرًا” وهذه الرواية تؤكّد على ذلك ..
    قرأتها منذ أعوام ولا يزال اسمها يبعث مشاعر طيبة ؛ من أجمل ما قرأت لـ معلوف حتى الآن -على أمل أن يكون في “ليون الإفريقي ” و “سمرقند” شيء من الجمال الذي سحرني في موانئ المشرق أو “سلالم الشرق” ..

    قيم التعليق: Thumb up Thumb down +1

  2. سأعود لأقرأ ماكتبت ياهاني.
    سبق وقرأت لأمين معلوف ” الهوّيات القاتلة “. أذهلني معلوف في هذا الكتاب الرائع. يحكي عن الهويّة ومدى تأثيرها على النفس البشرية, وكيف أنّ تعدد الانتماءات يخلق الحيرة في شخصية الإنسان والتردد بين إعطاء بلده الأم هذا الانتماء, أو البلد الآخر المنتمي له حديثًا. ويقول معلوف ” مايحدد كياني هو أنني أقف على مفترق بلدين ولغتين أو ثلاث لغات ” وهذا يعني أنّ الانتماءات قد تتعدد وتحديدنا لها هُو وقوفنا عليها لا إعطاء الانتماء للبلد الأم, ووصم البلدان الأخرى التي تحتوينا بـ ” حضانة ” تسكت ثغاء غُربتنا.

    شُكرا ياهاني

    قيم التعليق: Thumb up Thumb down 0

  3. مرحبا …. انا فتاة فلسطينية في العشرين من عمري
    أهوى القرأة …. جمعت أسماء لعدت روايات جذبتني في هذا الموقع … ورواية موانئ المشرق هي الرواية الوحيدة التي وجدتها في مكتبتنا الفلسطينية المتواضعة =)
    الرواية اكثر من رائعة !!!!
    حبيت أشكرك.. مساهمتك في هذه الرواية ساهمت في تغيير حياتي

    شكرا =)

    قيم التعليق: Thumb up Thumb down 0

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>