:
بِسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ ..
كَليلةُ ودِمنةُ من الكُتُبِ الّتي عدّها بعضُ أربابِ الفصاحةِ والبيانِ عُمدةً في هذا البابِ ولزامًا على من أراد أن يمتلكَ ناصيتَهما ( أعني : الفصاحةَ والبيانَ )؛ أنْ يعكِفَ عليه، ففي رسائلِهِ الّتي تبادَلها مع محمودِ أبي ريّة قال إمامُ العربيّةِ أبو السّاميِّ مُصطفى صادِق الرّافعيُّ في ردٍّ على كتابٍ بعثَ بِهِ أبو ريّة يسألُهُ رأيَه في دراسةِ الأدبِ العربيِّ فكان من جوابِهِ :
” إنّكَ تريدُ امتلاكَ ناصيةِ الأدبِ – كما تقولُ -؛ فينبغي أنْ تكونَ لكَ مواهبُ وراثيةٌ تؤديكَ إلى هذه الغايةِ، وهي ما لا يُعرفُ إلاّ بعدَ أن تشتغلَ بالتّحصيلِ زمنًا، فإن ظهرَ عليكَ أثرُها؛ وإلا كنتَ أديبًا كسائرِ الأدباءِ، الذينَ يستعيضونَ من الموهبةِ بقوّةِ الكسبِ والاجتهادِ … ” ، إلى أن قال : ” واصرفْ همّكَ من كتبِ الأدبِ العربيِّ – بادِئ ذِي بدءٍ – إلى كتابِ كَليلةَ ودِمنةَ، والأغانيَّ، ورسائلَ الجاحظِ، وكتابَ الحيوانِ، والبيانِ والتبيين لهُ، وتفقّه فِي البَلاغةِ بكتابِ «المثلِ السائرِ» …. إلخ ” .
وقالَ في ردٍّ آخرٍ :
” الإنشاءُ لا تكونُ القوةُ فيه إلاّ عن تعبٍ طويلٍ في الدّرسِ، وممارسةِ الكتابةِ، والتّقلبِ في مناحيها … ” ، إلى أن قالَ : ” فإذا أوصيتُك؛ فإنّي أُوصيكِ أنْ تُكثِر من قراءةِ القرآنِ، ومراجعةِ « الكشّافِ» ( تفسيرُ الزّمخشرِيِّ)، ثمّ إدمانَ النّظرِ في كتابٍ من كُتُبِ الحديثِ «كالبخاريِّ» أو غيرِهِ، ثمّ قطعُ النّفَسِ فِي قراءةِ آثارِ ابنِ المقفّعِ «كَليلةَ ودِمنةَ، واليتيمةَ، والأدبَ الصغيرَ»، ثم رسائلَ الجاحظِ، وكتابَ البخلاءِ، ثمّ نهجَ البلاغةِ … إلخ ” .
ولقد كانَ الرّافعيُّ نفسُهُ – رحِمهُ اللهُ – شديدُ الولوعِ بكَليلةَ ودِمنةَ، إذْ أنشَأ فصولاً نسجَها على منوالِ كليلةَ ودمنةِ ضمّنها كتابَهُ تحتَ رايةِ القرآنِ، الّذي ردّ فيه على الدّكتورِ طه حُسين، ففي فصلِهِ الموسُومِ بـ ( فلمّا أدرَكهُ الغرقُ ) يقولُ أبو السّاميِّ فِي استهلالةِ مقالِهِ : ” عِندِي نسخةُ من كتابِ كِليلةَ ودِمنةَ ليسَ مثلها عِند أحدٍ، ما شئتَ مِن مَثَلٍ إلاّ وجدتَه فِيها، وقدْ رجعتُ إليها اليومَ ….” ، ثمّ يمضِي على هذا السَّنَنِ فِي التّهكُّمِ والسُّخريةِ بالدّكتورِ، وبلغَ مِن قوةِ حبكِها وجودةِ سبكِها ومشابَهَتِها لأسلوبِ كليلةَ ودِمنةَ؛ أن وِهمَ البعضُ فظنّ أنّه فصلٌ فُقِدَ مِن الكتابِ قد عثرَ عليهِ الرّافعيُّ، ولعلّي إن لم أكُنْ مُخطئًا أنّ الشّيخَ عليّ الطّنطاويّ – برّد اللهُ مضجَعَه – كان منهم، وقد أشارَ إلى شيءٍ مِن ذلك فِي ذكرياتِهِ .
بل حتّى الدكتورُ طه – على ما فِيها من مرِّ القولِ ولذِع الهجاءِ الّذي نالَه مِنها -؛ لم يكدْ يُخفي إعجابَهُ بِها .
يذهبُ أكثرُ المُحقّقينَ والباحِثينَ إلى أنّ الكتابَ صنّفَهُ فيلسوفٌ هندِيٌ اسمه ( بَيْدَبا ) بطلبٍ مِن ملكِ الهندِ في زمانِهِ ( دَبشَليم )، وطرّزَهُ بالحِكَِم والأخلاقِ والنّصائحَ والأمثالِ . وهو كتابٌ جليلُ القدْرِ، خطيرُ الشّأنِ، يَعرضُ للسّياسةِ والاجتماعِ بطابعٍ قصَصِيٍّ شيّقٍ، وُضِع على ألسنةِ الطّيرِ والبهائِمِ والسّباعِ، ولما سَمِع بِهِ أنوشروان كِسْرَى بنُ قُباذ؛ أرادَ الاطلاعَ عليه، والاستفادةَ ممّا حواه، فندبَ لَهُ ( بَرْزَوَيْه ) رأسَ أطبّاء فارس، الّذي نقلَهُ مِن الهنديّةِ إلى الفهلويّةِ ( الفارسيّة القديمة )، ثمّ جاءَ – من بعدِهِ – عبدُ اللهِ بنُ المقفّعِ الّذي نقَلَه من الفارسيّةِ إلى العربيّةِ، وألحقَ بِهِ بابًا بالعربيّة في صدرِهِ ليكونُ لهُ أُسًا يستبينُ فيهِ أمرُ الكتابِ، لمِن أرادَ قراءتَهُ، وفهمَهُ، والاقتباسَ منه، وقد أفاضَ عليهِ من فيضِهِ وصبغَهَ بصبغتِهِ؛ حتّى استبدّ الرّأيُ ببعضِ الأدباءِ وأهلِ الدرايةِ والبَصَرِ بأساليبِ العربيّةِ؛ أن يزعُموا أنّ الكتابَ من صُنعِ ابنِ المقفّعِ، وما حملَهُ على أنْ نسبَهُ إلى غيرِهِ؛ إلاّ خشيةَ الضّررِ على نفسِهِ، فادّعى أنّه ترجمَهُ عن الفارسيّةِ ليجدَ متّسعًا من القولِ، ويتصرّفَ على سجيتِهِ في الكتّاب، والجاحظُ كانَ من الّذينَ يرونَ هذا الرّأي .!
أمّا أفضلُ نُسَخِ الكتابِ وأصحُّها وأكملُها؛ فهي النّسخةُ الّتي حقّقها المرحومُ الدّكتورُ عبدُ الوهّاب عزّام، وقدّمَ لها الدّكتورُ أحمدُ طالب الإبراهيميّ، وطبعتها دارُ الشّروقِ ببيروت، واشتركتْ معها في نشرِها الشّركةُ الوطنيّةُ للنشّرِ والتّوزيعِ بالجزائر، وهي طبعةٌ فاخرةٌ على ورقٍ مصقولٍ من القطعِ الكبيرةِ، مزيّنةٌ بالرسومِ الّتي تصوّرُ بعضَ أحداث القِصَصِ المرويّةِ .
وجاءتْ في 342 صفحة، مُلحقٌ بِهِا :
- تعريفاتٌ بالصّورِ للحيواناتِ الّتي كانت محورَ قصصِ كَليلةَ ودِمنةَ؛ وهذه التّعريفاتُ ممّا انفردتْ بِهِ هذه النُّسخةِ .
- وأُلحِق أيضًا التّعليقاتُ الّتي لم تُوضع فِي حاشيةِ الكتابِ وأُشيرَ إليها في المتنِ .
- ثمّ فهرسُ اللوحاتِ ( الرّسومات ) .
- وأخيرًا فهرسُ الكتابِ .
ويليه كلمةٌ الخِتامِ للأستاذِ محمد المعلّم … يبدو لي أنّه مدير الدار أو نحوه .
أمّا ما عداها من النّسَخ؛ فخواء لا يُرجى منه النّفعَ، فهي نُسخٌ تجاريّةٌ، غرضُ من أخرجها؛ الكسبَ الماديِّ فقط، دونَ اعتبارٍ لما سوى ذلك .
وقد حاولتُ البحثَ عن هذِه النّسخةِ في دهاليز الشّبكة، فلم أُوفّق في ذلك، بيدَ أنّي وجدتُ نسخةً لا بأسِ بها، تصفّحتُ القليلَ منها؛ فبدا لي أنّه جيّدة فدونكم الرّابطَ اطّلِعوا عليها، ولا يفُتكم هذا الكتابُ، صدّقوني أنّه أُعجوبة، وخيرٌ من كثيرٍ من هذا الغثاءِ الّذي يزعمون أنّه أدبٌ، وهو لِقلّةِ الأدبِ ألصقُ منهُ بالأدبِ، وإنّ أعنَتَكم فِي البدءِ صعوبةُ القراءةِ فيهِ وعدمُ الفهمِ عنه؛ فلا تتهموا الكتابَ؛ بل اتهموا عربيّتَكم، وأذهانَكم، فبعدُكُم عن لغتِكم؛ هو الّذي جرّ عليكم سوءَ الفهم، وطوّحَ بِكم فِي مدارجَ الاستغلاقِ والغموضِ .!
اقرأ أيضا
»»أفضل 50 كتاباً روسياً في القرن العشرين. »»رد طه حسين على أندريه جيد. »»فلسفة الاسلام بين الشرق والغرب 1. »»أعترافات جان جاك روسو - الجزء الثاني. »»أعترافات جان جاك روسو - الجزء الاول.
من كتبي المفضلة فعلا..
ها هي طبعة دار الشروق:
http://www.4shared.com/document/rU9C7Cjo/___-___.htm
اذا كنت مهتم بمعرفة الكتاب الأصلي الذي ترجمه ابن المقفع ابحث في جوجل عن الأتي:
Panchatantra و هو اسمها في التراث الهندوكي
jataka tales و هو اسمها في التراث البوذي مع اختلافات و زيادات
علما بأن ابن المقفع قد غير و بدل بعض التفاصيل و النهايات..
اذكر اني بحثت بعض الوقت في اصل تلك الأسامي مثل بيدبا و لم اجد اي اصل لها الا ان يكون مصدرها ابن المقفع..و غالبا الأسماء هنا معربه و يصعب ايجاد اصلها في السنسكريتيه او البهلويه او الفارسيه..
انا واثق ان هناك غيري ادرى بتلك الأمور..
ارى ان ذلك الموضوع يصلح كرسالة ماجيستير هههه
قيم التعليق:
0
مقال موفق اخي, اتمنى ان تزودنا بالرسالة الكاملة التي بعث بها الرافعي الى ابي رية بارك الله فيك
قيم التعليق:
0
جزيت خيراً أخي .. جاري التحميل والقراءة بإذن الله..
وما أجمل مجرد تخيل سحر القراءة والبيان في مثل تلك العصور .. فكيف بمعايشتها حرفاً حرفا ..
القراءة .. بوابة المعجزات ^^
شكراً لكل من وضع رابط الكتاب ..
قيم التعليق:
0
أهلاً أخي حاتم :
وهذا الكتاب مستحقّ لهذه الأفضلية بلا نزاع، أمّا موضوع البحث عن الكتاب الأصلي؛ فالذي دفعني إلى ذلك هو رداءة الكتب التي وقعت عليها إبّان بحثي عن الكتاب، فقد اصطدمت مرارًا وتكرارًا – وفي عدّة كتب – بالطبعات الردئية، فكنت أصرف همّي حين أنوي قراءة كتاب؛ إلى البحث عن أفضل النسخ الموجودة في السوق، من ناحية التحقيق، وجودة الطباعة، وصفّ الكتاب وإخراجه … إلخ إلخ .
والإشكال في كون ابن المقفّع قد بدّل في الكتاب أو غيرّ؛ يجرّنا إلى الإشكالية الأكبر، وهي هل الكتاب مترجمٌ كما ادّعى ابن المقفّع ؟ أم هي حيلة من ابن المقفّع احتال بها ليمرّر آراءه ويلقي القول على عواهنه دون خشيةٍ من الرّقيب ؟ وهذا كما تفضّلت؛ موضوع يحتاج إلى كدّ ذهن وسعة اطلاع لتقرير تلك الحقائق أو إلحاقها بالأكاذيب ..! وأنا في حقيقة الأمر لا يعنيني كل ذلك؛ طالما أن الكتاب خرج بهذه الحالة المرضي عليها، وبقلم أديب مصقع كابن المقفع … هذه تكفي .
وشكرًا لك يا عزيزي ومُمتنّ جدًّا لمداخلتك وأكثر للرابط الذي زودتنا به .
الأخ الفاضل بلال الأكوح :
حبًّا وكرامةً ..وهذه الرسالة كاملة :
2 – رأيهُ في دراسةِ الأدبِ العربيّ
( لمّا جاءني أوّل كتابٍ من الرافعيّ – رحمهُ اللهُ – فرحتُ بهِ فرحاً شديداً ، وجعلتهُ ممن يجبُ الرجوعُ إليهم في أمرِ الأدبِ العربي ودراستهِ ، وقد عنّ لي أن أعرفَ رأيهُ في دراستهِ – وهو الإمامُ الحجة ُ – فكتبتُ إليهِ خطاباً في ذلكَ ، كانَ الجوابُ عنهُ هذا الكتابُ ) :
طنطا في 30 ديسمبر سنة 1912 م
أيّها الفاضلُ، إنّ أعمالي كثيرةٌ في هذه الأيام ولذا أراني أبطأتُ في الردِ على كتابكَ، وإنّي مجيبك عنهُ بإيجازٍ، لأنّ ما سألتَ عنهُ يصعبُ التبسّطُ فيهِ على وجهٍ واحد .
إنّكَ تريدُ امتلاكَ ناصيةِ الأدبِ – كما تقولُ -، فينبغي أن تكونَ لكَ مواهبُ وراثية ٌتؤديكَ إلى هذه الغايةِ، وهي مالا يُعرفُ إلا بعدَ أن تشتغلَ بالتحصيل زمناً، فإن ظهرَ عليكَ أثرها وإلا كنتَ أديباً كسائرِ الأدباءِ، الذينَ يستعيضونَ من الموهبة بقوّةِ الكسبِ والاجتهادِ .
فإذا رغبتَ في أقربِ الطرق إلى ذلكَ فاجتهدْ أن تكونَ مفكّراً منتقداً، وعليكَ بقراءةِ كتبِ المعاني قبلَ كتبِ الألفاظِ، وادرسْ ما تصلُ إليهِ يدكَ من كتبِ الاجتماعِ والفلسفةِ الأدبيةِ في لغةٍ أوربيةٍ أو فيما عرّبَ منها .
واصرف همّكَ من كتبِ الأدبِ العربي – بادىء ذي بدءٍ – إلى كتابِ كليلةَ ودمنة والأغاني ورسائلَ الجاحظِ وكتابَ الحيوان ِ والبيانِ والتبيين لهُ، وتفقّه في البلاغةِ بكتابِ ” المثل ِ السائرِ “، وهذا الكتابُ وحدهُ يكفلَ لكَ ملكةً حسنة ً في الانتقادِ الأدبي، وقد كنتُ شديدَ الولعُ بهِ .
ثمّ عليكَ بحفظِ الكثيرِ من ألفاظِ كتابِ ” نُجعةِ الرائدِ ” لليازجي والألفاظِ الكتابيّةِ للهمذانيّ، وبالمطالعةِ في كتابِ ” يتيمةِ الدهرِ ” للثعالبيّ والعقدِ الفريدِ لابن عبدربه وكتابِ ” زهرِ الآدابِ ” الذي بهامشهِ .
وأشيرُ عليكَ بمجلّتينِ تُعنى بقراءتهما كل العنايةِ ” المقتطف والبيان “، وحسبكَ ” الجريدةُ من الصحفِ اليومية و ” الصاعقة ” من الأسبوعية، ثم حسبكَ ما أشرتُ عليكَ بهِ فإنّ فيهِ البلاغ كلّهُ، ولا تنسَ شرحَ ديوان الحماسة وكتابَ نهج البلاغة فاحفظْ منهما كثيراً .
ورأسُ هذا الأمر بل سرّ النجاح فيه أن تكونَ صبوراً، وأن تعرفَ أن ما يستطيعهُ الرجلُ لا يستطيعهُ الطفلُ إلا متى صارَ رجلاً، وبعبارةٍ صريحةٍ إلا من انتظرَ سنواتٍ كثيرة .
فإن دأبتَ في القراءةِ والبحثِ، وأهملتَ أمرَ الزمن ِ – طالَ أو قصرَ – انتهى بكَ الزمنُ إلى يوم يكونُ تاريخاً لمجدكَ، وثواباً لجدّكَ .
والسلامُ عليكَ ورحمة اللهِ . ) .
وتجد الكتاب مصوّرًا على الرّابط التالي، وأنصحك ألاّ تفوّته ففيه من اللّذة ومن المتعة وما يضيق المقام عن ذكره الشيء الكثير :-
http://www.4shared.com/file/38992643/9564d8cf/____.html
الكريم أو الكريمة – عذرًا قما عدتُ أدري – دروب :
أهلاً وسهلاً وأنتم واجدون أكثر من ذلك بحول الله .
قيم التعليق:
0
كليلة و دمنة موسوعة من العبر و الحكم
قيم التعليق:
0