يوم في بغداد -قراءة-

يسخر شوقي عبدالأمير من حال وطنه بغداد وسماءه التي لم تعد زرقاء كما هو مُشاهدٌ لدى كل الأوطان -ويبكي كذلك. وإن كان من تشبيهٍ يمكنُ أن أضيف، فسأقول أن شوقي كان مثلَ من يحضُرُ عزاءَ أمِّه وهو يلبسُ زيَّ مُهرّج!

وبعد أعوامٍ مديدة، يأتي إلى وطنه، ظانًّا أنه سيراها تركضُ إليه كالأم الحنون، ولكنّ الأم تبصق قائلةً: ما الذي عادَ بك؟

يقول غابرييل غارسيا ماركيز في رواية الحب في زمن الكوليرا متحدّثًا عن الطبيب خوفينال أوربينو حين كان عائدًا من فرنسا إلى وطنه بعد غياب: “كان الطبيب خوفينال ما يزال شابًّا لا يعرف أن ذاكرة القلب تمحو كل الذكريات السيّئة وتضخّم الذكريات الطيبة، وأننا بفضل هذه الخدعة نتمكّن من تحمّل الماضي. ولكنه حين عاد ورأى من شرفة السفينة رابية الحي الاستعماري البيضاء، وطيور الرخمة الجاثمة فوق السطوح، وملابس الفقراء المنشورة لتجف على الشرفات، حينئذ أدرك كم كان ضحيّةً سهلة لأحابيلِ الحنين الخادعة.”

لقد نسيَ شوقي كيفَ تكون الفصول في بغداد، وجلب معه ملابس صيفيّة ظانًا أن الخريف بعدُ ما أغلق نافذته. إن الوطن كالأم التي تقسُو علينا كثيرًا وإذا غادرنا عنها لقسوتها نَحِنُّ لها كأن لم يبدُرَ منها غيرُ حُسْنٍ، فنأتي إليها قافلين نقبّل رأسها، فنجد شعرها قد استحال إلى شَوْك!

لا مكان يعادلُ الوطن، أكان سيّئًا أو كان غيرَ حَسَنٍ. أنا أعتقد أن في أجسادِنا جيناتٌ تُزرع من لدن الوطن. هي له، هي هو، هي منه.

والحنين عملةٌ لا تُودَعُ في غير الوطن، كأنه مصرفٌ مركزيّ. والحنين مبلغٌ ماليّ كبير، تحتاجُ إلى إيداعه في المصرف لكي ترتاحَ من همّ أمنِه. والحنين شعورٌ مُسَيْطِر، لا يقبلُ الانْحسار، إلّا لدى الوطن، ليعُودَ بعد ذلك للروح لونُها الحقيقيّ.

يقول شوقي أن عدوى الحياة أقوى من عدوى الموت، فمن قوله: “وهكذا بدأت أتدرّب على العيش مثل العراقيّين الذين ما دام الواحد منهم يجد نفسه على قيد الحياة فإن كل شيء على ما يُرام مهما بدا المشهد أمامه الآن أو ما سيؤول إليه، المهم أن الحياة تتواصل.”  وقوله: “المذهل في الأمر أنكَ عندما تأتي إلى هنا قادمًا من الخارج، قادمًا من شاشات التلفزيون حيث لا ترى هذا المكان إلّا مضرّجًا بأبنائه ومتفحّمًا في طلعته ومنظره، عندما تدخل الشارع وترى كيف يعيش الناس وكيف يمارسون حياتهم ودورة أعمالهم فيه، تكاد تنسى، لا بل تنسى كل ما رأيت فتنزل إلى المقهى وتجلس حيث يجلس الجميع وكأن شيئًا لم يكن. هكذا بالضبط. أي أن عدوى الحياة أقوى من عدوى الموت.”

إلى قوله أن بعضًا من المواطنين وممثّلين ومخرجين وفنيّين استغلُّوا أحدَ المباني المُدَمَّرة كمسرحٍ، وقاموا بعمل مسرحيّة، وماذا كان موضوع المسرحيّة؛ كان قصَّةً رومانسيّة عن رجلٍ وامرأة يحبّان بعضهما في زمنٍ كلُّهُ دمارٌ وضياع.

فعلًا الحياة رُبَمَا مكانها الحقيقي فينا، وليس خارجًا، إذ نحنُ بإمكاننا أن نُحيِي ونُميت.

ثم عَجَبًا لأهلِ بغدادَ، هل ذلكَ قوةٌ أم لا مُبالاة أم هي عجلة الحياة تضطر الإنسان إلى إكمال عملية التنفس حتى يحين موعد موته أم ماذا؟

هو يوم واحد، هي ليلة إلى ليلة، هو يوم جمعة من تاريخ 19\10\2007، هذا ما قضاه شوقي في وطنه بعد مرور ثلاثين عامًا من منفاه، ويخبرنا أنه حين هم بالخروج من الفندق للتجوال في بغداد؛ أنه ما كان يمشي دون حرس. فليت شعري كيف لا أشعر بالأمان في وطني!

يسرد لنا شوقي حديثًا مطوّلًا عن هذا اليوم، يحكي لنا عن بلاده التي ما عادت بلاده، بلاده التي تشوّهت، التي لن يقدر أعظم أطباء التجميل على إعادة جمالها. فمن تمثال عبدالمحسن السعدون المسلوب المشوّه، إلى شارع الرشيد الذي ما عاد رشيدًا، إلى ساحة التحرير، إلى سوق الورّاق، سوق الكتب والفكر والإبداع، هذا الذي مُحِقَ تمامًا.

لم تتشوّهِ المعالمُ وفقط، إنما الناسُ نفسها أيضًا، فما عادتِ الناسُ كما كانت، فالطائفيةُ على أشُدِّها، والمواطنون كلٌّ منهم يسرق، المتضعضعُ والجبّار، هذا غير “سوق مريدي” السوق المُختص بتزوير الوثائق والشهادات الجامعية والجنسيات وجميع ما يحتاج المواطن من أوراق رسميّة، ماذا تبقّى، كل شيء إما خُرِّبَ أو شُوِّهَ أو دُمِّرَ أو مُحِقَ محقًا.

يقول شوقي مقتبسًا مقطعًا شعريًا لصديق له، شاعر فرنسي اسمه يوجين غيوفك: “لماذا نقف ساعة حداد أمام جدث الميت، هل جربنا أن نتمدّد بجانبه ولو دقيقة حداد!”.  نعم، إن ما قال يوجين لهو شيءٌ من إنصاف، فحتى نشعر بالآخرين رُبما يجب أن نُنَصِّبَ أنفسَنا مكانهم لوهلة. ذلك ما كان يشعر به شوقي حين وصل إلى مقهى الحيدر خانة، هذا الذي فُجِّرَ بواسطة سيارة مفخّخة، الذي كان مأوىً للقارئين، لأصحاب الكتب. كان يشعر أنه يقفُ لحظةَ حِداد لكيانه كله.  وأيُّ حداد!

إن بغداد لا تموت، وإنِ اجتُثّت منها رئتاها، أرضُها على الدوامِ حيَّةٌ، وإن أهلها لمّا يزالونَ أقوياءَ لا يسأمونَ الحياة، هي كنخلها، السامقِ الباسق، وإنَّ شبابَها طَلْعٌ نضيد، لم تَضَعَ يومًا الحربُ في بغداد أوزارها، وبالرغم من ذلك، لا يزال هناكَ منها شعراء وفنانونَ رسامون، وموسيقيُّون. لا زالت تنضَحُ شغفًا بالحياة، وتتماهَى كِبْرًا بجمال، إن بغداد ليست عجُوزًا يطرحْهُ الخوفُ أرضَ حمّامٍ، فيضلُّ بعد ذلكَ مُكتئبًا مُؤمنًا أنه ما عادَ يملُكُ القوةَ إلى قيام. تلكَ هي بغداد، حضارةٌ وخُلُود، شِعرٌ وفنٌّ، سماءٌ لا تُغطّيها الغيمُ، وأرضٌ تفتحُ ذراعيها تحتضنُ ضوءَ الشَّمْسِ حُبًّا.  هي بغدادُ.



اقرأ أيضا

»»تعيقني عن القرأءة . »»ساق البامبو - سعود السنعوسي. »»اقتباساتي من كتاب ’’ أنا وأخواتها ’’ للشيخ سلمان العودة ,,. »»[ثمرة المشروع الإنتاجي] » العدد الـ(1) من كِتاب أوراق ملونة. »»"يوميات الحزن العادي" - محمود درويش.

3 تعليقات على “يوم في بغداد -قراءة-

  1. السلام عليكم..أسعد الله صباحكم بكل خير..أستاذي..فهد..أولا كل رمضان وأنت بألف خير..ثانيا
    جدا رائع مادو نت راق لي ماقرأت..
    تقبل مروري..
    دمت بحفظ الحكيم..

    قيم التعليق: Thumb up Thumb down 0

  2. وعليكم السلام
    أهلًا أنثى ..

    طبعًا أنا لم أشترِ الكتاب إنما قرأته في الكتاب المجاني الذي يُصدر كل شهر من قبل منظمّة ليُونيسكُو، واسمُ الكتاب: كتاب في جريدة.

    أنا لا أعلم إن كان -يوم في بغداد- يُباعُ لدينا أم لا، ولكن بالإمكان زيارة الموقع الخاص بالمنظمّة حيث يوجد فيه الإصدارات الشهريّة كلّها تقريبًا وتحميلها كملفات PDF ..

    * رابط المنظّمة: http://www.kitabfijarida.com/

    * ورابط كتاب يوم في بغداد: http://www.kitabfijarida.com/pdf/128.pdf

    وكل عام وأنتِ بخير
    وشُكرًا لك

    قيم التعليق: Thumb up Thumb down 0

  3. تــقديم رائع للكتاب لغة وأسلوب الكاتب شدتني كثيراً
    لكن المشكله في النسخه الالكترونيه !
    عل وعسى أجد الكتاب هنا في الريـــاض..

    قيم التعليق: Thumb up Thumb down 0

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>