لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم

 

تأليف / الأمير شكيب أرسلان

صفحات الكتاب  167

تقديم / محمد رشيد رضا

دار البشير – القاهرة

رقم الإيداع  5665/85

 

     لا تزال مسامعي تذكر حينما وقف أمير الشعراء شوقي أمام قصر الحمراء بغرناطة-بأسبانيا- لينقل أحاسيسه وأحاسيس كل المسلمين في بقاع المعمورة ، وهي أحاسيس الأسى والحزن العميق علي هذا المجد الخالد الذي شيده المسلمون طيلة ثمانية قرون … فقد وقف يقول :

أناجي الرسم لو ملك الجوابا                وأجزيـه بدمعـي لو أثـابـا

 أنها ذكريات تبعث في النفس آلاماً كثيرة، وتذكر المسلم يوم أن كان أجداده سادة العالم ، ويوم أن كانت البلاد الإسلامية تصدر الحضارة الي غيرها من بلدان العالم كله.  لقد قدم المسلمون في العصور الخوالي – للعالم كله -  درراً غالية من العلوم والمعارف… فعلي سبيل المثال نجد أن العرب المسلمين هم أول من استخدم البوصلة بصورة فعالة بجانب الخرائط البحرية ، وذلك في رحلاتهم عبر البحار والمحيطات. وكان للمسلمين الفضل الأكبر في تطور صناعة الورق ، فقد أسس (يحي البرمكي) وزير (هارون الرشيد) أول مصنع للورق في بغداد حوالي عام 800 م … ثم انتشرت هذه الصناعة في شرق العالم الإسلامي  وغربه ، ولا يخفي علي القارئ اللبيب أن أزمة الثقافة المتمثلة في الارتفاع الرهيب لأسعار الكتب ، يرجع الي أننا نستورد كل المواد الأولية في صناعة الكتاب من الخارج علي ما يكلفنا ذلك من مبالغ طائلة !!

     ويعتبر المسلمون – كذلك – هم مؤسسو علم الحساب ، وواضعوا علم الهندسة التحليلية وحساب المثلثات .

     ولقد نقل المسلمون العرب كثيراً من إسهامات الحضارات السابقة في العلوم والمعارف وعملوا علي تطويرها وتجويدها ثم نشرها بعد ذلك، بما كان له أطيب الأثر في تقدم كافة العلوم والمعارف في بقاع المعمورة، فقد أسس (بيت الحكمة) في عصر الخليفة المأمون (813-833) وكان هدفه الأساسي دفع حركة الترجمة.

     ولقد رأينا من العلماء العرب والمسلمين من لا يزالون يذكرون إلي يومنا هذا بأنهم أساتذة تلك العلوم، فمن الشخصيات المعدودة في مجال الرياضة والفلك، رأينا (الخوارزمي) الذي قام بإعداد بعض الجداول الفلكية ، ويرجع إليه الفضل الأول في وضع أسس علم (الجبر) والذي وضع مؤلفه الكبير (مفاتيح العلوم) وجعله مقالتين، أولاهما لعلوم الشريعة وما يقترن بها من العلوم العربية ، وتشتمل علي (52) فصلا، تجتمع في ستة أبواب هي الفقه، والكلام، والنحو، والكتابة، والشعر، والعروض والأخبار…وثانيتهما للعلوم المدنية وتشمل (41) فصلا تجتمع في تسعة أبواب هي الفلسفة، والمنطق، والطب، والحساب، والهندسة، والنجوم، والموسيقي، والميكانيكا والكيمياء.

     ورأينا العرب- كذلك- هم أول من استخدم العلامات العشرية في الحساب، ورأينا (الأقليدسي) وهو أول من استخدم الكسور العشرية في مؤلفه الذي وضعه حوالي عام 950 م … ورأينا من بين الرياضيين الذين ترجمت كتبهم الي اللاتينية (النيريزي). ورأينا من العرب من برع في علم الطبيعة مثل العالم الأشهر(ابن الهيثم) ، والذي قام بتصحيح أخطاء نظرية (اقليدس) و(بطليموس) بشأن الرؤية البصرية للمحسوسات … وقد أورد كثيرا من الآراء الخاصة بهذا الموضوع في كتابه (المناظر). وممن اطلع كذلك من المسلمين في علوم الرياضة والفلك (مسلمة المجريطي) و(ابن أبى رجال) و(جابر بن الأفلح) و(ابن الشاطر).

     ورأينا كذلك من برع في الطب كالعالم الأشهر (ابن سينا) الذي وضع كتابه الشهير(القانون في الطب) الذي ظل يهيمن علي الدراسات الطبية في أوربا حتى نهاية القرن السادس عشر، وقد صدرت منه في القرن الخامس ستة عشر طبعة، وفي القرن السادس عشرون طبعة… ورأينا (الرازي) الذي وضع رسالة في الجدري والحصبة. وفي مجال الكيمياء رأينا (جابر بن حيان) ، ورأينا (البيروني) الذي فرض إمكانية تحويل العناصر. وفي ميدان العلوم النباتية رأينا (أبا حنيفة الدينوري) واضع (كتاب النبات)… وهلم جرا.

     ولكل تلك العلوم والمعارف التي شيدها المسلمون، شهد العالم حضارة من أعظم الحضارات التي امتدت إلي حدود الصين وروسيا شرقا ، وإلي أسبانيا وفرنسا غربا. إلا أن عوامل الضعف والفتور قد أصابت – بمرور السنين – جبين الدولة الفتية، وأخذت العلوم في الاندثار وانصرف عنها الناس، في حين قام غيرهم بنقل تلك الحضارة والاستفادة من تلك المعارف الجمة… وأخذت روح التقدم والرقي تدب في جسد الدول الأوربية وغيرها.

     وكسنة لا تتبدل ولا تتغير ، بدأت تلك الحضارات الناهضة في الانقضاض علي الدولة الواهنة! ومن عجب أننا إذا نظرنا الي هذه الحروب الضروس التي كانت ضد العرب والمسلمين وقارنا بين تواريخها وأزمنتها، لرأينا كيف تقاربت هذا التقارب الغريب ، لدرجة أننا نستطيع أن نقول إنها كانت في زمن واحد ! فقد استولي الصليبيون علي بيت المقدس عام 1099 ، واستطاع صلاح الدين من استعادته عام 1187 ، إلا انهم استطاعوا إن يحكموا قبضتهم عليه مرة ثانية في الفترة بين عام 1229 و 1424 … وقريب من ذلك استطاع حاكم إنجلترا (فرديناند الثالث) أن يستولي علي قرطبة عام 1236، واشبيلية عام 1248 ، ثم بدأت الحملات التتارية تعرف طريقها ألي العالم الإسلامي منذ عام 1254.

    لا شك أن اندثار العالم الإسلامي وذهاب ريحه لم يكن في غفلة من التاريخ كما يظن البعض ، ولكنها عوامل الضعف والشيخوخة التي بدأت توهن جبين الأمة ، ولعل الفرقة وتشتت الكلمة كان من أهم تلك العوالم، كما ذكر المؤرخ الكبير (ابن كثير) وهو يتحدث عن الفترة التي سبقت هجوم المغول علي العالم الإسلامي ، فيقول (استهلت هذه السنة- 626 هـ – وملوك بني أيوب متفرقون مختلفون) ولم تكن بغداد بأحسن حالا فقد كانت هي الأخرى تعج بالاختلافات والاضطرابات.

     ولم ينقض القرن السابع عشر حتى بدأ الاستعمار الأوربي في فرض سيطرته علي العالم الإسلامي ، حتى أنه لم ينته القرن التاسع عشر حتى كان العالم الإسلامي بأسره تحت وطأة الاستعمار الأوربي ، وظل المسلمون منذ ذلك العهد يرزحون تحت وطأة حاكم ومستعمر مستبد، كم عمل علي إذابة شخصيته وتحطيم كبريائه … وقد استطاع الاستعمار إن يبلغ مراده بدرجة قد تصل الي 100% ، فقد خلَّف المسلمين وكل نفوسهم هوان وذله، واعتقاد بأن العربي لن يفيق من غفوته وكأن الانحطاط والتخلف هو قدره المحتوم.

    ولم يملك كثير من المسلمين إلا الرضا بهذا الواقع المرير ، وزفر العبرات علي مجدهم القديم. إلا أن كثيرا من المصلحين قام وسط هذا الركام من النفوس المهدمة والعزائم الخاوية ،يحاول أن يخلص الأمة من كبوتها الطويلة ، ويزأر بأن للتقدم عوامل إذا أخذت بها أي أمة وصلت الي ما تريد… وكان في طليعة هؤلاء المصلحين كاتبنا الكبير الأمير (شكيب ارسلان) الذي وضع يده علي أدواء العالم الإسلامي بقلم الأديب وعقل الحكيم.

    ولكننا لو دققنا النظر في تلك الرسالة ، لرأينا أن كاتبنا الكبير لم يركز علي الجانب النظري في تحليله لأسباب تأخر المسلمين، ولكنه اتبع في ذلك منهجا عمليا ، وهذا مما يجعل كتابه – بحق – تأريخا دقيقا لتلك الفترة الحرجة التي مرت بها الأمة الإسلامية. ومن الممكن أن نلخص ما أعده الكاتب من العوامل المؤدية إلي تأخر المسلمين في الآتي:-

 

1.  ارتفاع نسبة الأمية المتفشية في قطاعات كبيرة من المسلمين، ولا شك أن ارتفاع نسبة الأمية كفيل بأن يطيح بأي سبيل من سبل التقدم.

2.  ولعل من الأشياء التي ركز عليها كاتبنا الكبير ، أهمية المال في بناء حضارات الأمم، وينعي المؤلف علي المسلمين بخلهم الشديد في بذل المال .. ولله در شوقي حينما قال:

                                                بالعلم والمال يبني الناس ملكهم             لم يبن ملك علي جهل وإقلال

 

      3- ثم نأتي الي بيت القصيد، وهو ما ألمح إليه المؤلف من ضياع الدين بين جامد وجاحد، فمن الجمود أن يرفض البعض مت قدمه العلم الحديث من مخترعات بحجة أن السلف الصالح لم يكونوا يعرفونها… لاشك أن من يقول بذلك يفتري علي دين الله أعظم فرية… فقد أبان العلماء وجوب التفريق بين ما كان يفعله النبي صلي الله عليه وسلم علي سبيل الدين، وبين ما كان يفعله علي سبيل العادة ، فما كان علي سبيل العادة فلا حرج علي الناس في تكييفه حسب أحوالهم ، وقد رد المؤلف علي ما زعمه (سيكار) بأن العلم الذي حض القرآن علي الأخذ بأسبابه، إنما ينصرف الي العلوم الدينية دون المدنية، وقد استشهد المؤلف بغير آية من القرآن علي دحض هذا الزعم الخاطئ.

خلاصة الجواب

( إن المسلمين ينهضون بمثل ما نهض غيرهم )

إن الواجب علي المسلمين- لينهضوا ويتقدموا ويتعرجوا في مصاعد المجد، ويترقوا كما ترقي غيرهم من الأمم – هو الجهاد بالمال والنفس الذي أمر به الله في قرآنه مرارا عديدة، وهو ما يسمونه اليوم (بالتضحية). فلن يتم للمسلمين  ولا لأمة من الأمم نجاح ولا رقي إلا بالتضحية، وربما كان الشيخ محمد بسيوني عمران أو غيره من السائلين عن رأينا في هذا الموضوع قد ظن أنى سأجيبه إن مفتاح الرقي هو قراءة نظريات (أيشتين) في النسبية مثلا أو درس أشعة (رونتجين) أو ميكروبات(باستور) أو التعويل في اللاسلكي علي التموجات الصغيرة أكثر من الكبيرة، أو درس اختراعات (اديسون) وان سبب حادثة المنطاد الإنكليزي الذي سقط أخيرا واحترق هو كونه لم ينفخ بالهليوم وإنما بالهيدروجين، والحال في الهيدروجين – وإن كان أخف في الوزن – قابل للاشتعال، وانه لا خوف من اشتعال الهليوم وإن كان أثقل شيئا من الهيدروجين – وما أشبه ذلك. والحقيقة أن هذه الأمور إنما هي فروع لا أصول، وأنها نتائج لا مقدمات، وإن (التضحية) أو الجهاد بالمال والنفس هو العلم الأعلى الذي يهتف بالعلوم كلها، فإذا تعلمت الأمة هذا العلم وعملت به دانت لها سائر العلوم والمعارف ودنت منها جميع القطوف والمجاني. وليس بضروري أن يكون صاحب الحاجة عالما بعملها حتى يكون عالما بالاحتياج إليها.

      قال لي مرة حكيم الشرق السيد جمال الدين الأفغاني:

(إن الوالد الشفيق يكون من أجهل الجهلاء، فإذا مرض ابنه اختار له أحذق الأطباء، وعلم أن هناك شيئا منه، ولكنه يعلم بسائق حرصه علي حياة ابنه أنه ضروري). ولم يكن محمد علي عالما وربما كان أميا، ولكنه بعث مصر من العدم الي الوجود في زمن قصير، وصيرها في زمانه من الدول العظام بسائق هذا العلم الأعلى الذي هو العقل السليم والإرادة ، وهو الذي يبعث صاحبه الي التفتيش عن العلوم وحمل الأمة عليها. فالمسلمون يمكنهم إذا أرادوا بعث العزائم وعملوا بما حرضهم عليه كتابهم أن يبلغوا مبالغ الأوربيين والأمريكيين واليابانيين، من العلم والارتقاء، وأن يبقوا علي إسلامهم كما بقي أولئك علي أديانهم، بل هم أولي بذلك وأحرى، فإن أولئك رجال ونحن رجال، وإنما الذي يعوزنا الأعمال ، وإنما الذي يضرنا هو التشاؤم والاستخذاء وانقطاع الأعمال. فلننفض غبار اليأس ولنتقدم الي الأمام، ولنعلم أننا بالغوا كل أمنية بالعمل والدأب والإقدام، وتحقيق شروط الإيمان التي في القرآن:

((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)).      العنكبوت:69    

تم الجواب



اقرأ أيضا

»»7000يوم فى سيبيريا . »»تلك العتمة الباهره . »»تمارا. »»تعيقني عن القرأءة . »»ساق البامبو - سعود السنعوسي.

7 تعليقات على “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم

  1. بورك فيك أخي الفارسي ..

    من عرضك بدا الكتاب قيم ..

    وأظنه قريب في موضوعه من كتاب “ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين” لأبي الحسن الندوي .. وهو أيضاً قيم ورائع جداً ..

    لك الشكر الجزيل ..

    قيم التعليق: Thumb up Thumb down 0

  2. تنبيه: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم « مَغرَبيِ

  3. كتاب لا يستحق القراءة

    الذي طور الغرب
    هو الفكر الفلسفي و تفعيل آليات النقد والمراجعة والتحليل الموضوعي

    يعني الحضارات الانسانية منذ آلاف السنين كانت تدور تحت سقف واحد

    فالحياة في عصر الفراعنة هي نفسها الحياة في عصر هارون الرشيد و هي نفسها الحياة في عصر صلاح الدين الأيوبي
    مع اختلافات بسيطة لا تذكر

    حتى بدأ الغرب منذ القرن الثامن عشر بتبني الفكر الفلسفي و تحرير العقل فسافروا إلى القمر ووضعوا أعلامهم هناك و أصبحوا ينقلون عضلة القلب من جسم إلى جسم آخر
    وكانت هذه الأشياء تعتبر من السحر فيما مضى

    قيم التعليق: Thumb up Thumb down 0

  4. و أعظم من كتب في عالمنا العربي في
    موضوع سبب تطور الحضارة الغربية و اختلافها الجذري عن الحضارات السباقة
    هو المفكر السعودي ابراهيم البليهي
    وهو الوحيد الذي يستحق القراءة مع احترامي لجميع المفكرين

    قيم التعليق: Thumb up Thumb down 0

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>