هكذا أتينا إلى الحياة .. وهكذا سرنا ..!
29 مايو 2008 كتبت بواسطة عثمان العيسى
أ/ هكذا أتينا إلى الحياة … ب/ وهكذا سرنا ..
سيرة ذاتية
عزيز نيسين
” سيمائيو العصور الوسطى عجزوا عن قلب الحجر إلى ذهب ، أما أنا فسيميائيٌ نجح في تحويل دموعه إلى ضحكات يقدّمها للعالم ” نيسين
ريموت كنترول !! ..
لا بد أن يسيطرعليك التفكير بهذا الاختراع ، وأنت تُقَلِّب ناظريك في صفحات الكتاب .. تلتهمها التهاماً !
لا تستغرب أبداً عندما ترفع حاجبيك دهشةً وتعجباً في الصفحة ( 1× ) … ثم لا تلبث أن تخفضهما حدةً وغضباً في الصفحة ( ×2 ) … !!؟!!
وهكذا المشاعر دواليك !!
هي لا شك أحد الطقوس العجيبة التي لا أملك لها تفسيراً .. إلا عبقرية الكاتب وتلاعبه الرائع بمشاعرنا .. تماماً كالريموت كنترول .. ولا غرابة .. فالرجل مُصَنّف بأنه الكاتب رقم 1 في تركيا !!
عزيز نيسين .. الكاتب الساخر الموهوب .. يسرد لنا حياةًَ مُرَّةً .. تجربةً استطاع صاحبها من تحويل الحزن إلى فرح ، وتمكين النفس البشرية أن تتحمل القدر ، بابتسامة ساخرة ، جابه بها قسوة الحياة ..
سيرة الرجل تزيد إيمانك بأن سخريته .. إنما هي غِطاء مُحكم ينسى من خلاله ما لاقاه من شظف العيش ( كيف لا وقد وُلد لعائلة معدمة ) .. الحبس ( حتى قيل بأن إقامته في السجن كانت أطول من إقامته خارجه ) .. التضييق في الرزق ( عمل بقالاً وصاحب مكتبة وضابط ومصور فوتوغرافي وصحافي ) .. وأخيراً .. الموت بأسلوب دراماتيكي .. !!
(( ” الطفلة التي نُذِرت إلى الله :
مرضت شقيقتي البالغة من العمر ثلاث سنوات .. بعد عدة أعوام استنتجت شخصياً أن مرضها ناجم عن سوء التغذية وأنها مصابة بمرض في العظام يسمى الروماتيزوم .
كانت رجلاها لا تقويان على حملها .. أين الطبيب ؟ وأين الدواء ؟ ..
كان الطبيب بالنسبة لنا مخلوقاً تتعذر علينا رؤيته أو سماع صوته .. والوصول إليه من رابع المستحيلات ، أما فيما يتعلق بالأطفال الذين يموتون كانوا يقولون : الله أعطى والله أخذ .
لو كان الطعام متوفراً والغذاء جيداً بالنسبة لأختي لكانت في حالة رائعة ، استخدمنا جميع الأدوية الشعبية المجانية التي يحضرها العجائز ، في نهاية المطاف قالوا لها :
عند آذان المغرب خذي ابنتك إلى المقبرة واتركيها إلى جانب حجر من أحجارها ، وغادري المقبرة دون أن تنظري إلى الخلف ، ولا تذرفي من عينيك دمعة واحدة ، ثم يذهب شخص آخر من خلفك إلى هناك ويعود بالطفلة إلى البيت !!
شرحت أمي لأختي كل ذلك ، وطلبت منها عدم البكاء عندما تتركها هناك ، كي تعود إليها ، وتمشي وتركض بشكل جيد ، أختي كانت ذكية وجميلة إلى أبعد حد .
كانت أمي تحمل شقيقتي بين ذراعيها كل مساء ، وتمسك بيدي ذاهبين إلى المقبرة الكائنة بين قاسم باشا وباي أوغلو ، كانت المقبرة تمسى جوركلوك حيث أشجار السرو ، ترخي بظلالها على المقبرة فتخيم عليها العتمة المبكرة .
عندما ينتشر صوت المؤذن على أطراف المقبرة ، كانت أمي تنزل أختي من حضنها وتجلسها قرب أحد الأحجار ، ثم تمسك بيدي ونبتعد عن المكان بسرعة دون أن تنظر خلفنا ، استمرت العملية شهوراً طوالاً حتى الشتاء .
وطوال هذه المدة لم تحاول أمي النظر إلى خلفها ولو لمرة واحدة ، ولم نسمع شقيقتي تبكي وهي التي لا تبلغ من العمر سوى 3 سنوات .
مع كل هذا الذهاب والإياب إلى المقبرة ، لم استطع رؤية وجه أمي الشركسية مرة واحدة ، لأنها كانت تخفيه خلف الحجاب ، كم تعذبت يا ترى كي لا تبكي ، كي لا تنزل دمعة من عينيها ، عندما نصل إلى البيت ، ترمي بنفسها فوق الأريكة وتجهش بالبكاء حتى تعود أختي من المقبرة مع الشخص الآخر .
بعد مرور وقت طويل فكرت ملياً بهذا الوضع ، واستنتجت أن الناس يأخذون أولادهم إلى المقبرة ، لأنهم لا يملكون زاد يومهم ولا قوت أولادهم ولهذا فهم يقدمون أولادهم قرابين إلى الله قائلين :
يا رب ها أنذا تركت ولدي لك ، يا رب اطمر مرضه تحت التراب ، وأعده لي سالماً معافى .
كان أبي قد أحضر تفاحاً إلى البيت وقال لي : استدر إلى الخلف .
حوّلت رأسي نحو الحائط ، فوقعت تفاحة أمامي فقال لي ثانية :
انظر ، هذه التفاحة أرسلها الله لك فاشكره .
الله الذي أرسل لي التفاح لم يحسّن صحة أختي ، ماتت أختي .
عندما كان أبي يخرج من المنزل حاملاً النعش الصغير ، كنت واقفاً في مدخل منزل الخالة زهرة أضحك ، لأنني كنت أحسب أن ما يجري أمامي لعبة ليس إلا .
نعم .. يجب أن تكون لعبة ، لأنهم يضعون أختي الصغيرة في النعش ، ويحملونها إلى المقبرة ، كي تعود إليها صحتها وتعود من هناك سالمة معافاة .
قالوا : أدخلوا الولد إلى الغرفة .
أدخلوني ، جاءت إليّ أمي وهي تبكي فقبلتني وقالت :
أختك ماتت .. الضحك عيب !!
خجلت من نفسي ، لأني أحسست على الدوام أنني قمت بعمل أُلام عليه .
ويسألوني دائماً ، لماذا تمزح على الدوام .. لا أدري ، ولكن أعتقد أن الشيء الذي جعلني ساخراً ممازحاً ، هي طريقة حياتي التي عشتها ، ولم أستطع الوصول إلى هنا إلا من خلال الدموع الكثيرة التي ذرفتها ” ))





30 مايو 2008 في الساعة 11:15 ص
ردي الأول هنا, أردت فقط أن أبدي اعجابي بفكرتكم وبهمتكم.
من أين نستطيع الحصول على الكتاب؟
جرير مثلاً ؟
(ابلغ عن تعليق مخالف)
30 مايو 2008 في الساعة 4:29 م
سيرة يبدو أنها مشوقة
أمامي الآن مجموعة قصصية لعزيز نيسين بعنوان حمدي الفيل
شوقتني لمطالعتها
شكرا جزيلا
(ابلغ عن تعليق مخالف)
5 يونيو 2008 في الساعة 10:07 م
عزيزي / مش .. الكتاب وجدته في المكتبة التراثية ( الكتاب ) .. بالرياض .. وما زال طعمه في عقلي حتى اللحظه ..!
عزيزي / صالح .. حمدي الفيل .. جميلة .. ولكن اقرأ .. قطع تبديل الحضارة .. لتعرف الحس الفكاهي الراقي الذي يتمتع به نيسين ..
(ابلغ عن تعليق مخالف)